
جلس المغني في إحدى الليالي في مكان غير معلوم وهو يعزف على جيتاره وعرقه يتصبب.. ربما كان المكان هو (مسرح الدنيا المعقد) والزمان هو زمن الحرب والقتل والدماء ونداءات الهدنة فردد و هو يضغط علي اوتار جيتاره بقوة وغضب ويقول :-
هدنة بتاع فنيلتك!
خرجت كلماته وكأنه يضغط على زناد الكلاش ويؤجج روح القتل والفتك والدماء، ضحك البعض رغم الألم ضحكة تحمل كل معاني السخرية بينما صفق آخرون وهم يحملون بنادقهم و (يبلبسون) …
وكأن العبارة قد صارت شعاراً عجيباً… كأن الهدنة جريمة وكأن الدم هو النشيد الوطني الجديد..
وكأن (جند الله جُند الوطن) تحولوا إلى (جُند البل جند المحن)
لكن في تلك الليلة بالتحديد، شاءت (إرادة ما) بتقدير إلهي وأمر فوق الخيال و من وراء العلوم ارادة لا تُرى ولا تُدرك ارادت أن تضع حداً للسخرية والاستهتار بالقيم و سنن المحبة و السلام .
اهتز المكان لا من زلزال بل من أنين قديم كان ينتظر أن يُسمع توقف العزف، خمدت الاضواء في ذلك المسرح وساد صمت يشبه لحظة بين الحياة والموت.. ثم تحركت الأرض تحت المسرح… ارتجف التراب… وانشقت الأرض وخرج منها رجال وأطفال ونساء بملامح أنهكها القتل والموت الشنيع يحملون آثار رصاصا وشظايا لكن بلا دماء، فقد التئمت جراحهم بقدرة غامضة.
وقف أحدهم في الصف الأول عيناه كجمرتين في ليل الخراب و قال بصوت خرج من وراء القبور مع قتلى الحرب الخارجون للتو من الأجداث.. فلم يكن جميعهم قد دفنوا في قبور أو حملوا على توابيت فقد خرج البعض من امعاء الكلاب والوحوش :-
أنت بتضحك على الهدنة؟ وبتغني ضد السلام؟!
ثم أشار إلى صدره المثقوب وقال:
عشان ما ضقت الموت البشع مثلنا…
عندها حدث ما لم يحدث في تاريخ الحروب شاءت المشيئة أن تعود الأرواح جميعها إلى أجسادها.
كل جندي، كل طفل مات في قصف، كل أم لفظت أنفاسها في نزوح، كل شاب فقد ساقه أو ذراعه… عادوا جميعاً…
الجرحى نهضوا وأطرافهم سليمة، الدماء جفت، الصرخات سكنت.
كان المشهد مهيباً…
القرى امتلأت بالضحك بعد غياب الأمهات.
احتضن أبناءُهن ..الآباء رأوا أبناءهم من جديد، الزوجات بللن الأرض بالدموع حين عاد الأزواج من الموت…
كانت ليلة واحدة فقط ليلة مشروطة وعدوا بها على أن يختاروا بعدها إما أن يعودوا للحرب أو يختاروا الهدنة والسلام في الحياة…
من بين الموتى والقتلى الذين عادوا لبيوتهم كان (الفنان العظيم) والد المغني.
وقف بذات الشموخ الذي عُرف به ورحل عليه، صامتاً كالسارية.
وعندما أتاه المغني ليأخذه للبيت، اقترب بخطوات مرتجفة، لكن الأب أشاح بوجهه وقال بصوتٍ يقطر مرارة الوطن:
أنا غنيت للوطن عشان يعيش… إنت جاي تغني عشان يموت؟
ثم رفع يده كمن يصد ظلاً غريباً عنه وأضاف:
غنيت للسلام… موش للدم. أمشي… البيت دا ما بدخله مع زول بيغني للحرب
ظل الأب واقفًا منتصباً لا يتحرك، لا يعود، كأن الوطن نفسه وقف يتبرأ من الأغنية.
في تلك الليلة لم يسمع أحد صوت رصاصة بل سُمع ضحك الأطفال و وقع الأقدام الصغيرة على عتبات البيوت التي كساها الحزن طويلاً.
جلس الناس في حلقات حول الاضواء الساطعة يحكون، يضحكون، يغنون
(يا شعباً تسامي يا ذاك الهمام)
وأغانٍ قديمة عن الوطن الجميل، عن الحقول والمطر و (القمح والوعد والتمني) وأغنيات العودة والحنين…
وحين بزغ الفجر اجتمع الجميع في ساحة واسعة بين المقاتلين من الطرفين.
كانوا متشابهين… نفس الوجوه… نفس التعب… نفس الدموع… سُمع صوتٌ من غير جهة يقول:-
الآن وقد رأيتم ما تعنيه الحياة وبعد أن عرفتم ثمن الموت… اختاروا هل تعودون إلى القتال، أم تمنحون لأنفسكم هدنة حقيقية؟
هدنة قلوب، لا هدنة مكتوبة شعارات على الفنائل ؟
ساد صمت رهيب …
نظر الأحياء إلى الموتى العائدين… والموتى إلى الأحياء الباقين…
ثم خرجت الإجابة من الجميع كصدى واحد (كفاية حرب… عايزين نعيش)
أمسك المغني جيتاره المرتجف، لم يجرؤ على العزف.. رفع رأسه إلى السماء وقال بصوتٍ متهدج:-
يا ربي سامحنا… كنا بنغني للدم بدل للسلام…
ابتسم أحد العائدين وقال له قبل أن يتلاشى في الضوء:-
(غني يا فنان… لكن المرة دي غني للهدنة بتاعت القلوب… مش الهدنة بتاعت فنيلتك).
ومع أول خيوط الشمس بدأت الأجساد تختفي واحدة تلو الأخرى… تعود إلى قبورها في سكينة…
لم يبق سوى كلمات محفورة على الأرض بخيوط من نور:-
الهدنة لا تُصنع في المؤتمرات… الهدنة تُصنع حين يشفى القلب من الكراهية….
mtalab437@gmail.com



