
توجهت صباح اليوم الأحد 21/12/2025 إلى مباني بنك فيصل الإسلامي، فرع المؤسسات بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، بغرض فتح حساب مصرفي، وهو إجراء يُفترض أن يكون من أبسط وأيسر الخدمات في أي مؤسسة مالية.
غير أن هذه الخطوة البسيطة سرعان ما كشفت عن واقع مختلف، حيث اصطدمت التجربة العملية بجملة من الملاحظات التي تستحق التوقف عندها بجدية ومسؤولية.
منذ اللحظة الأولى، لفتت انتباهي لافتة داخل البنك كُتب عليها بوضوح: “فتح الحساب Online في 3 دقائق”، وهي عبارة توحي بسرعة الإنجاز ومواكبة التحول الرقمي.
لكن الواقع العملي داخل البنك كشف مفارقة لافتة، إذ تبيّن أن فتح الحساب عبر الحضور المباشر إلى البنك يستغرق ثلاثة أيام كاملة، بينما يتم فتح الحساب إلكترونياً خلال ثلاث دقائق فقط.
هذا التباين يطرح تساؤلاً مشروعاً حول أسباب تأخير الخدمة المباشرة، رغم أن وجود العميل داخل البنك يفترض أن يكون عاملاً مساعداً لتسريع الإجراء لا تعطيله.
التوضيح الذي قُدم يشير إلى أن كثرة الطلبات المباشرة تجعل الموظف بحاجة إلى وقت أطول لإدخال بيانات العملاء، بينما يقوم المستفيد في الخدمة الإلكترونية بإدخال بياناته بنفسه.
ورغم وجاهة هذا التفسير ظاهرياً، إلا أنه يعكس في جوهره خللاً في تنظيم العمل وتوزيع المهام داخل البنك، وليس مبرراً مقنعاً لتحميل العميل عبء هذا التأخير.
الملاحظة الثانية تتعلق بطريقة استقبال العملاء، حيث يقوم أحد العاملين بشركة “الهدف” الأمنية، المكلفة بالحراسات فقط، باستقبال المواطنين وتوجيههم فيما يتعلق بإجراءات فتح الحساب.
هذا المشهد يثير الاستغراب، إذ من المفترض أن يتولى هذه المهمة موظفون مختصون من داخل البنك، لما لذلك من علاقة مباشرة بجودة الخدمة وهيبة المؤسسة.
الخلط بين الأدوار الأمنية والخدمية يعكس ضعفاً في الإدارة الداخلية، ويترك انطباعاً سلبياً لدى العميل منذ لحظة دخوله.
للأسف، هذه الممارسات لا تُعد حالة معزولة، بل تعكس ثقافة سائدة في عدد من المصارف السودانية التي لا تضع تجربة العميل ضمن أولوياتها الأساسية.
في أبجديات العمل المصرفي، تُعد خدمة العميل أساس النجاح، وتقوم على مبدأ واضح مفاده أن راحة العميل واحترام وقته عنصران لا غنى عنهما.
غير أن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين هذه المبادئ النظرية والتطبيق العملي داخل بعض المؤسسات المصرفية.
فتح الحساب المصرفي، وفق المعايير المتعارف عليها عالمياً، إجراء بسيط يجب ألا يستغرق سوى دقائق معدودة، مع توفير بيئة مريحة تعزز ثقة العميل في البنك.
أما حين يتحول هذا الإجراء إلى انتظار طويل وتسويف غير مبرر، فإن ذلك ينعكس سلباً على صورة البنك وسمعته.
الأخطر من ذلك أن هذه التجارب تدفع بعض المواطنين إلى العزوف عن التعامل مع الجهاز المصرفي، وهو ما يتعارض مع أهداف الشمول المالي والتحول الرقمي.
فالتحول الرقمي لا يقتصر على اللافتات والشعارات، بل يتطلب تطوير الأداء الداخلي، وتدريب الكوادر، وإعادة تنظيم الإجراءات.
إن نجاح الخدمات الإلكترونية يجب أن يكون حافزاً لتحسين الخدمة المباشرة، لا مبرراً لإضعافها أو إهمالها.
ما يحتاجه العميل السوداني ليس وعوداً معلّقة على الجدران، بل خدمة عملية تحترم وقته وتقدّر ثقته في المؤسسة المصرفية.
وفي الختام، تبقى هذه الملاحظات دعوة صادقة لمراجعة تجربة العميل داخل البنوك، والعمل على ردم الفجوة بين الرقمنة المعلنة والواقع الممارس، بما يخدم المواطن ويعزز الثقة في القطاع.



