
في مشهد إنساني مكثف بالدلالات، استقبل مستشفى الأمير عثمان دقنة بمدينة بورتسودان قافلة طبية مصرية ضمّت نخبة من الأطباء المتخصصين في ثمانية مجالات جراحية، قدموا من جمهورية مصر العربية في وقت يرزح فيه القطاع الصحي السوداني تحت ضغط الحرب وتداعياتها القاسية.
القافلة جاءت استجابة لحاجة ملحّة، إذ تحولت بورتسودان خلال الأشهر الماضية إلى ملاذ صحي لآلاف المرضى القادمين من ولايات تضررت بنيتها الطبية، ما ضاعف العبء على المستشفيات وفاقم معاناة المرضى.
الأطباء المصريون المشاركون يُعدّون من أمهر الاختصاصيين، يعملون في كبرى المستشفيات المصرية، ويحملون خبرات مهنية عالية مكّنتهم من التعامل مع حالات جراحية معقّدة طال انتظارها.
وخلال فترة وجيزة، نجحت القافلة في إجراء ما يقارب مئتي عملية جراحية لمرضى سودانيين، في إنجاز يُحسب للكفاءة الطبية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عمق الأزمة الصحية المتراكمة.
ورغم النجاح الظاهر، إلا أن أسبوعًا واحدًا لا يمكن أن يكون كافيًا لتغطية احتياجات ثمانية تخصصات جراحية في مدينة مكتظة بالمرضى، وهو ما جعل الجهد المبذول أقل من حجم التحدي الحقيقي.
النهج الأكثر فاعلية، وفق خبراء، يتمثل في إيفاد فرق متخصصة في مجال واحد لفترات أطول، بما يضمن علاج عدد أكبر من المرضى وبجودة أعلى، بدل توزيع الجهد على تخصصات متعددة في وقت ضيق.
أحد أكبر العوائق التي واجهت القافلة تمثّل في النقص الحاد في المعدات الطبية داخل مستشفى عثمان دقنة، وهو نقص قلّص عدد العمليات الممكنة، وقيّد إمكانيات الأطباء رغم جاهزيتهم العالية.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى استضافة قوافل طبية دون توفير الحد الأدنى من البنية التحتية اللازمة، ويكشف هشاشة المنظومة الصحية في مواجهة الأزمات.
الدولة ترفع منذ سنوات شعارات كبيرة عن توطين العلاج في الداخل وتقليص فاتورة العلاج بالخارج، غير أن هذه الشعارات تتهاوى أمام نقص الأجهزة، وغياب غرف العمليات المجهزة، وانعدام الصيانة المستمرة.
فلا توطين للعلاج من دون معدات، ولا حديث عن اكتفاء ذاتي صحي في ظل مستشفيات عاجزة عن تشغيل كامل طاقتها حتى عند توفر الأطباء.
الحرب فاقمت المشهد تعقيدًا، لكنها في المقابل أفرزت فرصة نادرة، إذ نزح إلى بورتسودان مئات الأطباء السودانيين من مختلف التخصصات، يمتلكون الكفاءة والخبرة والرغبة في العمل والاستقرار.
هؤلاء الإخصائيون يمكن أن يشكّلوا عماد نهضة صحية حقيقية، إذا ما وُفّرت لهم بيئة عمل محترمة تشمل السكن، والحوافز، ووسائل الحركة، بدل تركهم خارج دائرة الفعل.
المفارقة أن كلفة تهيئة هذه البيئة أقل بكثير من كلفة علاج مريض واحد في الخارج، لكنها تظل غائبة عن حسابات القرار الصحي.
التجربة المصرية في مستشفى عثمان دقنة لم تكشف نقص الأطباء بقدر ما عرّت سوء التخطيط وضعف الاستثمار في القطاع الصحي.
كما أعادت التذكير بحجم الطلب الهائل على الخدمة الصحية المجانية أو منخفضة التكلفة، في بلد أنهكته الحرب وأثقلت كاهل مواطنيه الأزمات الاقتصادية.
القوافل الطبية، مهما بلغت أهميتها، تظل حلولًا إسعافية لا تعالج جذور المشكلة، ما لم تتحول إلى جزء من برنامج وطني شامل لإعادة بناء النظام الصحي.
بورتسودان، بما تتمتع به من استقرار نسبي وموقع استراتيجي، قادرة على أن تكون عاصمة صحية مؤقتة للبلاد، إذا ما أُحسن استغلال مواردها البشرية والطبية.
بين مشرط ينقذ حياة، ونظام صحي مكبّل بالعجز، تظل الحقيقة قاسية: ما يحدث ليس أزمة أطباء، بل أزمة قرار، وإرادة، وأولويات.



