الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: حين تصطدم هيبة الدولة بحرية الكلمة: من يوقف نزيف العلاقة بين الشرطة والصحافة؟

لا جدال في أن قوات الشرطة السودانية تمثل أحد أعمدة الدولة الصلبة، وأنها تضطلع بدور محوري في فرض هيبة القانون وحماية المجتمع، غير أن هيبة الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُصان بالإجراءات العقابية وحدها، بل تستند أولاً وأخيراً إلى الثقة.
لقد تمكنت الشرطة، بقيادة مديرها العام الفريق أول شرطة أمير عبد المنعم فضل، من تحقيق انتشار أمني واسع في العاصمة القومية الخرطوم عقب تحريرها، في خطوة أعادت قدراً من الطمأنينة للمواطن الذي أنهكته الحرب والفوضى.
غير أن هذا النجاح الميداني، مهما بلغ، يظل منقوصاً ما لم يُدعَّم بنجاح موازٍ في إدارة العلاقة مع الرأي العام، وهي علاقة لا تقل خطورة عن المعركة في الشارع.
فالشرطة التي تنتشر في الميدان، تواجه في ذات الوقت معركة أخرى في الفضاء العام، معركة الصورة الذهنية، ومعركة السردية، ومعركة كسب ثقة المواطن.
ومن هنا، تصبح العلاقة بين الشرطة والصحافة علاقة مصيرية، لا تحتمل الارتجال ولا سوء التقدير، لأنها ببساطة علاقة بين السلطة والكلمة، بين القوة والحقيقة.
لكن المؤسف أن هذه العلاقة شهدت خلال الفترة الماضية تدهوراً مقلقاً، بلغ حد القطيعة غير المعلنة، وتحول من شراكة استراتيجية إلى ساحة صدام مفتوح.
إجراءات قانونية، بلاغات متراكمة في نيابة المعلوماتية، وحظر سفر لصحفيين، في مشهد يبعث برسائل سالبة لا تخطئها عين، ويطرح سؤالاً خطيراً: هل أصبحت الشرطة في مواجهة مع الصحافة؟
إن تكشير الأنياب في وجه الصحفيين لا يعزز هيبة الدولة، بل يهزها من الداخل، لأن الدولة القوية لا تخشى النقد، ولا ترتعد من الكلمة، ولا تحارب الأسئلة بالبلاغات.
والأخطر من ذلك، أن هذه المواجهة تأتي في لحظة وطنية حرجة، تعيش فيها البلاد حرباً مفتوحة، وتحتاج إلى أعلى درجات التماسك الداخلي، لا إلى فتح جبهات جديدة مع صناع الرأي العام.
ليس من الحكمة، ولا من المصلحة الوطنية، أن تُدار العلاقة مع الإعلام بعقلية أمنية صِرفة، تتعامل مع الصحافة بوصفها خصماً لا شريكاً.
فالصحفي ليس عدواً، والناقد ليس متهماً، والكلمة ليست جريمة ما لم تتحول إلى تحريض أو تضليل، وهي حدود يعرفها القانون ويعرفها أهل المهنة.
إن ما يحدث اليوم من توتر وتصعيد يضع المدير العام لقوات الشرطة أمام اختبار حقيقي، اختبار القيادة في لحظة دقيقة، لا تحتمل الهروب إلى الأمام.
الفريق أول أمير عبد المنعم فضل مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بتدخل حاسم يعيد ضبط البوصلة، ويوقف هذا النزيف في العلاقة مع الصحافة قبل أن يتحول إلى أزمة مستعصية.
المطلوب ليس بيانات علاقات عامة، ولا وعوداً فضفاضة، بل قرارات شجاعة تبدأ بتصفير عداد البلاغات، ورفع القيود، وفتح صفحة جديدة بلا شروط ولا استعلاء.
فالشرطة، إن أرادت أن تحافظ على صورتها وهيبتها، عليها أن تدرك أن الإعلام الحر هو خط دفاع عنها، لا خنجراً في خاصرتها.
والمدير العام، بما يملكه من قبول واسع واحترام في أوساط الصحفيين وقادة الرأي العام، قادر على لعب هذا الدور إن أراد، وقادر على تحويل الأزمة إلى فرصة.
لكن الصمت، أو الاكتفاء بإدارة الأزمة من تحت الطاولة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، ومزيد من الشكوك، ومزيد من فقدان الثقة.
الشرطة بحكم تكوينها هي الأقرب إلى المواطن، والأكثر احتكاكاً بتفاصيل حياته اليومية، وهذا القرب يفرض عليها أن تكون أكثر حساسية تجاه الرأي العام، لا أكثر عدائية.
فهيبة الدولة لا تعني إخراس الأصوات، بل تعني القدرة على استيعابها، والرد عليها، وتصحيحها بالحجة لا بالبلاغ.
والصحافة، مهما قست لغتها، تظل مرآة تعكس الواقع، وكسر المرآة لا يغير من قبح المشهد شيئاً.
إن استمرار هذا المسار التصعيدي ينذر بعواقب وخيمة، ليس أقلها تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإضعاف الجبهة الداخلية في وقت لا يحتمل الضعف.
المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين الشرطة والصحافة، قائمة على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالدور، لا على التخوين والتربص.
فإما أن نختار طريق الشراكة، أو نترك العلاقة تنحدر إلى صراع عبثي يدفع ثمنه الوطن بأكمله.
والسؤال الذي يظل معلقاً بإلحاح: هل تتدخل القيادة الشرطية الآن لتصحيح المسار، أم ننتظر حتى تتحول الأزمة إلى قطيعة لا يمكن إحتوائها.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى