الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: حين يصمت السفراء تتكلم المليشيا.. دبلوماسية السودان في قفص الاتهام

في وقتٍ يخوض فيه السودان معركة وجود وكرامة، تبدو وزارة الخارجية السودانية وكأنها خارج الزمن، عاجزة عن مواكبة حرب لا تُدار بالسلاح وحده، بل تُحسم بالكلمة والموقف والضغط السياسي في الخارج.
فالدبلوماسية، في لحظات الحروب المصيرية، تتحول من عمل بروتوكولي إلى سلاح استراتيجي، وأي تقصير فيها لا يُعد خللاً إدارياً فحسب، بل إخفاقاً وطنياً كاملاً.
غير أن الواقع المؤلم يكشف أن عدداً مقدراً من سفارات السودان بالخارج فشلت فشلاً ذريعاً في أداء دورها، واختارت الصمت في لحظة كان يفترض فيها أن تصرخ باسم الوطن.
منذ اندلاع الحرب، لم يسمع العالم صوت كثير من السفراء السودانيين، ولم نشهد مؤتمرات صحفية، ولا حملات دبلوماسية، ولا تحركات منظمة تفضح جرائم المليشيا أو تكشف حقيقة ما يجري في السودان.
صمتٌ مطبق، وغيابٌ مريب، وكأن الدم السوداني لا يعني شيئاً لبعض من يتقاضون رواتبهم باسم تمثيل الدولة.
ومعركة الكرامة ليست معركة داخلية كما يحاول البعض تبسيطها، بل هي في جوهرها معركة خارجية بامتياز، تُخاض في عواصم القرار ومراكز النفوذ قبل أن تُخاض في ميادين القتال.
إنها معركة الرواية، ومن يخسر الرواية يخسر نصف الحرب، وهذا ما حدث بالفعل حين تُركت الساحة الخارجية خالية لتملأها المليشيا وحلفاؤها بالأكاذيب والتضليل.
والسؤال المؤلم: أين كانت سفارات السودان حين كانت المنابر الدولية تُستغل لتشويه الجيش والدولة؟ وأين كان السفراء حين احتاج الوطن إلى صوت قوي يدافع عنه؟
لا يمكن تبرير هذا الغياب بالظروف أو الإمكانيات، فالدبلوماسي الحقيقي يصنع الفعل حتى في أصعب البيئات، أما العاجز فيختبئ خلف الأعذار.
ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الصورة ليست سوداء بالكامل، فهناك سفراء تحركوا بجدية، وقاتلوا بالكلمة والموقف، ونجحوا في إحداث اختراقات معتبرة، وهؤلاء يستحقون التحية لا المجاملة.
لكن وجود قلة مجتهدة لا يغطي فشل الأغلبية، ولا يعفي المقصرين من المحاسبة الصارمة.
فالسفارة ليست نادياً اجتماعياً، ولا إقامة مريحة في الخارج، بل هي خندق متقدم في معركة الدولة، ومن يترك خندقه فارغاً في زمن الحرب يُحاسَب.
وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، دبلوماسي مخضرم، ويدرك أكثر من غيره أن إدارة هذه المرحلة لا تحتمل الرمادية ولا التراخي.
ومن هنا، يفرض سؤال نفسه بقوة وبصورة مباشرة لا تحتمل الالتفاف:
العاصمة الإدارية بورتسودان تحتضن اليوم نحو 21 سفارة أجنبية، بعضها بتمثيل كامل على مستوى سفير، وأخرى بتمثيل أقل.
فهل بادر وزير الخارجية منذ توليه مهامه بعقد لقاءات منتظمة مع هؤلاء السفراء لتنويرهم بحقيقة ما يجري في السودان، أم تُرك الملف الخارجي يسير بلا قيادة واضحة؟
إن وزارة الخارجية هي رأس الرمح في معركة السودان الخارجية، ودورها لا يقل خطورة ولا أهمية عن دور وزارة الدفاع في الميدان.
فما لم يُحسم دبلوماسياً، قد يُطيل أمد الحرب عسكرياً، وأي ضعف في الخارج يدفع ثمنه الجنود والمواطنون في الداخل.
وعليه، فإن إعادة ترتيب البيت الدبلوماسي لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية عاجلة، تبدأ بتقييم صارم لأداء السفارات، وتنتهي بإبعاد كل من فشل في حمل الأمانة.
لا معنى لأن تصرف الدولة أموالها الشحيحة على سفراء لم يعقدوا مؤتمراً صحفياً واحداً، ولم يصدروا بياناً مؤثراً، ولم يطرقوا باباً واحداً من أبواب التأثير.
ولا مبرر لبقاء من أثبت عجزه في موقعه، بينما الوطن ينزف ويُستهدف في الخارج.
إن معركة الكرامة لا تحتمل السفراء الصامتين، ولا الدبلوماسية الكسولة، ولا الحسابات الشخصية.
فإما دبلوماسية تقاتل بلا هوادة دفاعاً عن السودان، أو دبلوماسية تُغادر المشهد وتُترك للمحاسبة… فالتاريخ لا يرحم، والوطن لا ينتظر.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى