
من المهم وضع الحقائق في نصابها الصحيح منذ البداية، بعيداً عن التهويم والتضليل. فرئيس الوزراء كامل الطيب إدريس لم يصدر عنه سوى قرارين فقط بتعيين مستشارين اثنين لا ثالث لهما: مستشار سياسي، ومستشار لشؤون الإدارة الأهلية. قراران واضحان، معلنان، وممهوران بتوقيع رئيس الوزراء نفسه، بما لا يترك مساحة للاجتهاد أو التفسير.
خارج هذين القرارين، لا توجد أي صفة استشارية أخرى معتمدة صادرة من رئيس الوزراء. ومع ذلك، فوجئ الرأي العام بتداول صفة “مستشار صحفي” منسوبة إلى الزميل الصحفي محمد عبد القادر، دون أن يستند ذلك إلى قرار رسمي من رئيس الحكومة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مصدر هذا اللقب وحدوده القانونية.
الوقائع المتاحة تشير بوضوح إلى أن تعيين الزميل محمد عبد القادر جاء عبر قرار إداري صادر من مكتب مدير مكتب رئيس الوزراء، وهو قرار تنظيمي داخلي لا يمنح صفة مستشار، ولا يرقى من حيث القوة القانونية أو الرمزية إلى قرار يصدر من رئيس الوزراء نفسه. وهذا توصيف إداري دقيق، لا علاقة له بالمكانة المهنية أو التاريخ الصحفي للشخص المعني.
البون بين القرارين شاسع وخطير في آن واحد. فقرار رئيس الوزراء يؤسس لصلاحيات استشارية عليا، ويضع صاحبه في دائرة صناعة القرار، بينما القرار الإداري من مدير المكتب يحدد وظيفة تنفيذية خاضعة للتسلسل الوظيفي ولا تتجاوزه.
الخلط بين المستويين ليس مجرد خطأ شكلي، بل مساس مباشر بمفهوم الدولة المؤسسية.
والأدهى والأمر، أن الزميل الصحفي محمد عبد القادر يصرّح للإعلام، وعلى رؤوس الأشهاد، بصفته “مستشاراً صحفياً لرئيس الوزراء”، دون أن يصدر عن رئيس الوزراء أو مكتبه أي توضيح أو تصحيح لهذا الوضع المخل. هذا الصمت الرسمي لا يمكن قراءته إلا بوصفه تقاعساً غير مبرر، أو قبولاً ضمنياً بتشويه الهيكل الإداري، وكلا الاحتمالين أكثر خطورة من الخطأ نفسه.
الأخطر من ذلك، أن تمرير هذا الخلط في الفضاء العام، دون حسم، يضع مكتب رئيس الوزراء في موضع المساءلة، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن الألقاب يمكن أن تُنتحل علناً دون مساءلة، وأن الصفة الرسمية تُصنع بالتصريح الإعلامي لا بالقرار السيادي. وهي رسالة لا تحتملها مرحلة تتطلب أعلى درجات الانضباط والشفافية.
كما أن هذا الوضع يسيء، دون مبرر، إلى الزميل محمد عبد القادر نفسه، الذي يملك رصيداً مهنياً معلوماً في الوسط الصحفي، وتدرج في هياكله حتى بلغ موقع رئيس تحرير، وهو موقع رفيع لا يحتاج إلى ألقاب ملتبسة لتجميله أو تبريره.
الزج به في خانة رمادية بين “مستشار” و“موظف” يضعه في مواجهة غير ضرورية مع زملائه والرأي العام.
الوسط الصحفي، الذي استقبل في بداياته خبر تعيينه بترحيب مشروع، شعر بإحباط مضاعف حين تكشفت الحقيقة كاملة.
ليس لأن التعيين الإداري عيب، بل لأن الوضوح غاب، وحل محله تسويق غير دقيق للمواقع والمسميات.
الدولة التي تحترم نفسها لا تترك مواقعها الحساسة عرضة للاجتهاد الشخصي أو التمدد الوظيفي. وتصحيح هذا المسار لا يحتاج إلى لجان أو بيانات إنشائية، بل إلى موقف حاسم: إما تثبيت الصفة الاستشارية بقرار صريح من رئيس الوزراء، أو نزع هذا اللقب نهائياً ووضع الأمور في إطارها الصحيح.
في النهاية، هذه ليست معركة أشخاص ولا تصفية حسابات، بل معركة على معنى الدولة وهيبة القرار. فإما أن تحكمنا نصوص واضحة وقرارات سيادية، أو نترك الباب مفتوحاً لعبث إداري يُفرغ المناصب من مضمونها، ويحوّل الدولة إلى ساحة ألقاب بلا سند.


