
أحرص على أداء صلاة الجمعة بانتظام في مسجد الراحل حسين الرماح، بوسط مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، حيث ظل هذا المسجد واحداً من المنابر التي ارتبط اسمها بقضايا الناس وهمومهم اليومية.
لم يكن مسجد حسين الرماح مجرد مكان لأداء الشعائر، بل منبراً حياً يتنفس قضايا المجتمع، ويواكب تطلعات المواطنين، ويخاطب واقعهم بلا مواربة أو تزييف.
تميّزت الخطب المنبرية في هذا المسجد، عبر سنوات طويلة، بالجرأة والصدق والانحياز للحق، وهي سُنّة حميدة أرساها إمامه الراحل الشيخ محجوب مصطفى الحاج رحمه الله رحمة واسعة.
كان الشيخ محجوب مدرسة قائمة بذاتها، عُرف بدفاعه الصلب عن الحق، وعدم خشيته في قول كلمة الصدق لومة لائم، فصنع للمنبر هيبته، وللخطبة وزنها، وللكلمة معناها.
برحيل الشيخ محجوب، فقد المنبر كثيراً من نكهته الخاصة ولونيته المتفردة، وبدا الفراغ واضحاً رغم تعاقب عدد من الأئمة الذين حاولوا، لكنهم لم يبلغوا أثره ولا حضوره.
غير أن من بين العلماء الأجلاء الذين حملوا الأمانة من بعده، يبرز اسم الشيخ يسلم حسن سعيد، الذي يُحسب له علمه الغزير وخطابه المختصر، الدسم، والمفيد.
خُطب الشيخ يسلم، حينما يعتلي المنبر، تنال استحسان المصلين وتلامس العقول والقلوب، غير أنه يزهد كثيراً في صعود المنبر، وهو أمر يثير التساؤل ويُحرم الناس من علمه الواسع.
إن تغييب العلماء الحقيقيين عن المنابر، طوعاً أو قسراً، خسارة لا تقل عن تغييب القيم نفسها، لأن المنبر أمانة، والعلم مسؤولية لا يجوز كتمانها.
وتبرز في هذا السياق إشكالية تسييس الخطب المنبرية، حين تتحول إلى أدوات تعبر عن خط أيديولوجي ضيق أو تيار ديني بعينه، فيبتعد الخطاب عن وسطيته المطلوبة.
فالمنبر، بطبيعته، ملك لجميع المسلمين، ولا ينبغي أن يُختطف لصالح فئة أو جماعة، بل يجب أن يظل منبراً جامعاً، متزناً، يعالج القضايا بميزان الحكمة والعدل.
العالم العامل بعلمه يحظى باحترام الناس كافة، لكن هذا الاحترام لا يُمنح بالكلمات وحدها، بل بالانسجام بين القول والفعل.
لا يعقل أن يكون الخطيب على المنبر رحمانياً في خطابه، ثم يتحول في الأسواق والمعاملات إلى نموذج يناقض ما يدعو إليه، فذلك يسقط هيبة الدعوة ويشوّه الرسالة.
ومن السهل أن يكون خطيب الجمعة حافظاً للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، متقناً لفنون الإلقاء، آسراً بأسلوبه، لكنه في سلوكه اليومي بعيد كل البعد عما ينادي به.
فكيف لمن يدعو إلى الإنفاق والصدقة أن يكون من أبخل الناس؟ وكيف لمن يحث على الأمانة أن يُعرف عنه عكسها في الواقع؟
الأئمة والدعاة رسالتهم قوية، وكلمتهم مسموعة، وتأثيرهم بالغ في المجتمع، ولذلك فإن مسؤوليتهم مضاعفة، ومكانتهم تفرض عليهم أن يكونوا قدوة قبل أن يكونوا وعّاظاً.
المنبر ليس مساحة للخطابة المجردة، بل منصة لبناء القيم، وترسيخ الأخلاق، وإصلاح السلوك الفردي والجماعي.
ومن يفشل في تربية أبنائه وبناته، لا يمكنه أن يعظ الناس في أصول التربية وفنونها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فالدعوة الحقيقية تبدأ من البيت، وتمتد إلى المسجد، ثم إلى المجتمع، ولا تستقيم إن اختلّ أحد هذه الأركان.
إن إصلاح المنبر هو مدخل لإصلاح المجتمع، شرط أن يتصدره أهل العلم الصادقون، وأن تُعاد له رسالته الجامعة، وقدسيته، وصدقه.
فالكلمة الصادقة، حين تخرج من قلب صادق، قادرة على أن تُحدث أثراً، وأن تُعيد للمنبر مكانته، وللخطبة دورها، وللدين صورته المشرقة في حياة الناس.


