الرأي والتحليل

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: المؤتمر الوطني بين أطلال الماضي وإستحقاقات الحاضر….

في بيانه الأخير حول المشاورات السياسية المرتقبة في الدوحة برعاية منظمة “برو ميدييشن”، قدّم المؤتمر الوطني خطابًا تقليديًا مُحكم الصياغة من حيث الشكل، لكنه يعكس أزمة سياسية حقيقية في المضمون، رغم نبرته الواثقة، إلا أن البيان يكشف عن مأزق وجودي يواجه الحزب في واقع سوداني متغيّر، يشهد تحولات متسارعة على كافة المستويات
المؤتمر الوطني، الحزب الذي حكم السودان لثلاثة عقود، يبدو وكأنه لم يغادر مربع الإنكار السياسي بعد، ولم يدرك بعد أن قواعد اللعبة قد تغيرت كليًا، وأن الفاعلين اليوم ليسوا أولئك الذين اعتاد التحاور معهم بالأمس ، البيان يُظهر الحزب وكأنه ما زال يقف عند عتبة ما قبل 2019، بذات الأدوات والخطاب، دون أن يلتقط اللحظة السياسية الراهنة التي تتطلب مرونة عالية ورؤية متجددة، لا سيما في ظل وضع أمني متفجر وحالة إستقطاب سياسي واجتماعي غير مسبوقة
سياسيًا، لا يمكن الجزم بأن المؤتمر الوطني محظور رسميًا حتى اللحظة، إلا أن حضوره في المشهد السياسي مقيد فعليًا إن لم يكن مُجمدًا، بفعل نفخة الكير التي أحرقت جزءا من ملابسهم وأرسلت عليهم ريحا منتنة من من لا يميزون بين (الألف الأحمر والواو الضكر) في السياسة اضافة لظهور مواقف رافضة له داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل عودته للحلبة السياسية مرتبطة بقدرته على إعادة تعريف نفسه، وتقديم خطاب جديد ينأى عن تلك الوجوه التي ارتبطت بالماضي، ويمنح الأجيال الشابة مساحة حقيقية للتأثير وصناعة القرار
لكن الواضح أن قيادة الحزب لا تزال تدور في فلك الأسماء القديمة، بتفكيرها التقليدي وقراءتها العتيقة للمشهد، في عالم السياسة، لا تكفي الشرعية التاريخية وحدها إن لم تترافق مع شرعية الحاضر وهذا الحاضر لابد له من حزب قوي الشكل له بسطة في العصف والمواكبة ، بل يحتاج كيانًا قادرًا على تفكيك واقعه، والانخراط بشجاعة في أسئلة المستقبل، بما فيها إعادة بناء العلاقة مع الآخر، والاعتراف بتعقيد اللحظة، وضرورة تجاوز الثنائية الحادة بين “نحن” و”هم”.
البيان، وإن تضمّن إشارات إيجابية تتعلق بتثمين دور قطر، ورفض الاصطفاف الأيديولوجي الضيق، إلا أنه في جوهره بدا أقرب إلى خطاب عزلة لا يعكس رغبة حقيقية في الانفتاح أو الانخراط في أي عملية سياسية جادة، كما أن توقيت الرفض وارتباطه بالعدوان الخارجي، رغم وجاهته من منظور وطني، لا يُلغي الحاجة إلى العمل السياسي الموازي للجهد العسكري، خصوصًا في بلد مثقل بجراح الانقسام
المؤتمر الوطني بحاجة ماسة إلى نقد داخلي شجاع، يتجاوز منطق البيانات والرفض، إلى مساءلة الذات، وإعادة بناء الشرعية السياسية من جديد فالزمن لن ينتظر كثيرًا، وإن لم يتحرك الحزب ليفكك جلدته القديمة، فقد يتحول إلى مجرد لافتة تاريخية لا أكثر، تتحدث عن ما كان، بينما يتجه الآخرون لرسم ما سيكون.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى