
في الوقت الذي يُنفق فيه المال والجهد على حملات الدعاية الإعلامية والترويج المكثف لإنجازات ولاية نهر النيل، يبقى الواقع في مناطق التعدين المؤثرة واقعاً مريراً، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الخدمات الأساسية، ويتعرضون لمخاطر صحية وبيئية جراء الإهمال الرسمي. هذا التباين بين الإعلام والواقع يطرح سؤالاً هاماً: من المسؤول عن تردي الأوضاع في قلب الولاية؟
النفخ الإعلامي.. صورة زائفة للواقع
يتصدر النفخ الإعلامي حول إنجازات الولاية وقيادتها المشهد، حيث تملأ شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي أخبار واحتفالات بإنجازات قد لا تتجاوز حدود المكاتب الرسمية. تُستثمر مبالغ ضخمة في الترويج الإعلامي بينما تبقى المشاكل الحقيقية التي يعانيها المواطنون مغيبة أو مغمورة خلف الستار الإعلامي.
معاناة مناطق التعدين.. واقع مرير
في مناطق التعدين، مثل بابوحمد وغيرها، يعاني السكان من أوضاع صحية وبيئية صعبة. استخدام المواد السامة كـ”الزئبق” في عمليات التعدين يُعرض السكان وأطفالهم لمخاطر قاتلة، كما أن نقص الخدمات الصحية والتعليمية يفاقم المعاناة. الماء الصالح للشرب، الطرق، المدارس، والمراكز الصحية إما متدهورة أو غير موجودة، ما يجعل حياة الناس هناك في تحدٍ مستمر.
معاناة بابوحمد.. شهادات من قلب الأزمة
تعتبر منطقة بابوحمد من أكثر المناطق تضرراً في ولاية نهر النيل، حيث يعاني سكانها بشكل يومي من غياب الخدمات الأساسية وتدهور البيئة بسبب نشاط التعدين العشوائي. يقول أحد السكان:
“نحن هنا في بابوحمد نعاني من تلوث المياه نتيجة استخدام الزئبق في التعدين، الأطفال يعانون من أمراض لم نكن نعرفها من قبل، ولا توجد مراكز صحية تلبي احتياجاتنا.”

أما مزارعة محلية فتقول:
“تموت الحيوانات بشكل مستمر بسبب السموم التي تسربها عمليات التعدين، وهذا أثر بشكل مباشر على مصدر رزقنا، فلا زراعة ولا تربية ماشية بدون بيئة سليمة.”
ويضيف أحد شباب المنطقة:
“نحن لا نطلب أكثر من طرق صالحة، ماء نظيف، ومستشفى مجهز، لكن كل ما نراه هو ضجيج إعلامي عن إنجازات لا نشعر بها.”
ضعف استجابة والي الولاية وإدارة غير فعالة
يعاني سكان ولاية نهر النيل من ضعف واضح في استجابة والي الولاية لمطالبهم ومشاكلهم المتفاقمة، خصوصاً في مناطق التعدين. الإدارة الحالية تفتقر إلى الجدية والحس الوطني في التعامل مع قضايا التنمية الحقيقية، مما أدى إلى تفاقم الأزمات وتزايد حالة الإحباط بين المواطنين. غياب الشفافية والقصور في اتخاذ القرارات الحاسمة جعل الولاية تغرق في معاناة مستمرة، في حين يتم استثمار الموارد في الترويج الإعلامي فقط.
تجاهل المسؤولين وتعطيل الحلول
يبدو أن هناك غياباً واضحاً للمسؤولية من قبل الجهات الحكومية في الولاية تجاه هذه القضايا الحيوية، فتقارير وشكاوى السكان لا تجد طريقها إلى الحلول. أحياناً يتم تنظيم زيارات إعلامية لمناطق معينة تظهر فيها صورة متحركة للإنجازات، لكنها لا تعكس الحالة الحقيقية التي يعيشها الناس.
من المسؤول؟
المسؤولية مشتركة بين والي الولاية، الجهات المختصة، والمجتمع المدني. فالتركيز على النفخ الإعلامي على حساب الخدمات الحقيقية يجعل المواطنين يدفعون ثمن هذه السياسة. يحتاج المواطنون في مناطق التعدين إلى التزام حقيقي بالتحسينات، وفتح قنوات تواصل شفافة تسمح لهم بالمشاركة في صنع القرار.
مناشدة عاجلة للفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان
نتوجه بنداء عاجل إلى الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، للنظر في الأوضاع المتردية في ولاية نهر النيل، وخاصة في مناطق التعدين التي تئن تحت وطأة الإهمال وسوء الإدارة. نطالب بالتحرك السريع لتهوية أرجل والي الولاية، وسحب البساط من تحت رجليه، كي تُفتح آفاق جديدة لإدارة قادرة على الاستجابة الحقيقية لمطالب المواطنين، وضمان تقديم الخدمات الأساسية التي هي حق لكل مواطن سوداني.
دعوة للإصلاح الجذري
على قيادة الولاية أن تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وأن تحول النفخ الإعلامي إلى واقع ملموس ينعكس على أرض الولاية. يجب أن تركز الجهود على تطوير البنية التحتية، تقديم الخدمات الصحية والتعليمية، وحماية البيئة من مخاطر التعدين العشوائي. هذا هو الطريق الصحيح لتحقيق التنمية المستدامة التي تستحقها ولاية نهر النيل.
خاتمة
الوضع الحالي في ولاية نهر النيل يفرض وقفة جادة ومسؤولية حقيقية من جميع الأطراف المعنية. لا يمكن لأي حملات إعلامية أن تخفي معاناة السكان في مناطق التعدين، ولا يمكن أن يستمر الناس في العيش بلا خدمات أساسية تحت ظل الدعاية الإعلامية. حان الوقت لأن يتحول النفخ الإعلامي إلى فعل حقيقي يلامس حياة المواطن، ويعيد للولاية مكانتها الحقيقية على خارطة التنمية في السودان.



