
لم يكن «كوب العرديب» في سوق اللفة بالكلاكلة مجرد مشهد استثنائي التقطته الهواتف في لحظة حماس، ثم تداوله الناشطون في منصات التواصل الاجتماعي بين مادح وقادح. ما جرى هناك هو لحظة سياسية اختزلت العلاقة بين الدولة والمجتمع في زمن الحرب، وأعادت طرح سؤال مهم: كيف يمكن للقيادة أن تقترب من شعبها دون أن تتحول العفوية إلى ثغرة أمنية، والرمزية إلى مخاطرة وطنية؟
في السياق الدولي، يُنظر إلى الاقتراب غير المنضبط من رأس الدولة كخرق مباشر لمنظومة الأمن القومي، لأن حياة القائد ليست ملكًا له وحده، بل هي جزء من استقرار الدولة نفسها. غير أن المشهد السوداني، بطبيعته العفوية، يعيد صياغة هذه القاعدة بمنطق مختلف، حيث تتحول الإيماءة البسيطة إلى خطاب سياسي كامل، وتصبح المسافة الصفر بين القائد والمواطن أداة لإعادة بناء الثقة في دولة أنهكتها الحرب وأعياها الانقسام.
لكن هذه الرمزية، على قوتها، تضع طاقم الحماية في مواجهة معادلة صعبة. فهم يعملون في بيئة مفتوحة على كل الاحتمالات، وسط تهديدات غير مرئية، وفي لحظة تاريخية تتربص فيها قوى داخلية وخارجية بالبلاد. وفي الوقت نفسه، يواجهون إرادة قائد يصرّ على كسر البروتوكول والترجّل وسط الحشود، وتلقي القهوة أو الشاي أو الطعام من أيدٍ لا يمكن إخضاعها لإجراءات الفحص والتدقيق. هنا، لا يعود الخطر احتمالًا نظريًا، بل يتحول إلى نمط سلوكي قابل للاستثمار من أي خصم يبحث عن الفرصة.
تكرار هذه المشاهد في أكثر من مكان، كما يقول أحد الخبراء الأمنيين، ينقلها من دائرة العفوية إلى دائرة التوقّع، ومن الاستثناء إلى القاعدة. والنمط في عالم الأمن هو أخطر ما يمكن، لأنه يسمح بالتخطيط المسبق، ويحوّل الثقة إلى فرصة، والرمز إلى هدف. المعادلة هنا لا تمس شجاعة القائد ولا شعبيته، بل تمس فكرة الدولة: هل تُدار بالرموز وحدها، أم تُحمى بمؤسسات وقواعد ودستور يحفظ الحياة لأنها تحفظ المستقبل والوطن؟
طبيعة الرئيس البرهان العسكرية وتربيته الاجتماعية، التي تشكلت في القرية وساحات الميدان لا في دهاليز القصور، تفسر جانبًا من هذا السلوك. في الوعي السوداني والعسكري التقليدي، القائد يتقدم الصف ولا يختبئ خلف الجدران، ويشارك جنوده المخاطر ليمنحهم الثقة.
غير أن السياسة ليست امتدادًا للمعركة، بل فضاء ملغوم بالاغتيالات غير التقليدية والفخاخ الناعمة، حيث يكفي تفصيل صغير لإحداث صدمة كبرى. ما يُقرأ في الميدان شجاعة قد يُقرأ في الدولة مجازفة وخطرًا محتملًا.
من داخل مجمع شيخ الهدية، لم يترك البرهان رمزية الحدث دون استثماره. جاء خطابه ليحوّل المشهد إلى رسائل سياسية بالغة الأهمية عن العودة الطوعية، وإعادة الإعمار، ووحدة الشعب والجيش، ورفض سرديات التشكيك في أمان البلاد. إذ وظّف البرهان المشهد بذكاء، مؤكدًا أن الدولة قد استُعيدت ويمكنها أن تنهض، وأن الشرعية الحقيقية يمنحها الشارع والجماهير، لا المنافي والمنابر الخارجية.
كما أكد وحدة الشعب والجيش في دحر التمرد، وأن السودانيين بدأوا قطف ثمار تضحياتهم، وأن العودة خيار فردي ورغبة ذاتية، متوقعًا اكتمال عودة بقية المواطنين مع بداية شهر رمضان.
ووجّه رسالة حادة وصريحة إلى عبد الله حمدوك ومجموعته، واصفًا إياهم بأنهم يعملون ضد مصالح السودان، وأنه لا مكان لهم، مجددًا رفضه لادعاءات استخدام الأسلحة الكيمائية.
غير أن التاريخ السياسي القريب يذكّرنا بأن لحظات القرب الجماهيري، مهما كانت نواياها، كانت في كثير من الأحيان نافذة للخطر. اغتيال جون كينيدي في موكب مفتوح، ومقتل بنازير بوتو بعد تحية أنصارها، ومحاولة استهداف نيلسون مانديلا في سياق انتقال هش، كلها تؤكد قاعدة واحدة: التهديد لا يُقاس بحجم المحبة، بل بإمكانية الوصول. حين يصبح القرب نمطًا متكررًا، تتحول العفوية إلى قابلية محتملة لاستهداف القائد.
هنا تتجلى معاناة طاقم التأمين في أقسى صورها. فهم خط الدفاع الأخير عن رمز الدولة وعن فكرة الوطن. كل خطوة غير محسوبة تضعهم أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، كما وضعت رفاقهم الذين مضوا غير مبدّلين ليلة الخيانة في 15 أبريل 2023، حيث يصبح الخطأ، مهما صغر، ذا كلفة تتجاوز الفرد إلى مصير بلد بأكمله. وفي ظل تضحيات جسيمة قدّموها دفاعًا عن القيادة والدولة، يصبح من حقهم أن تُبنى حولهم منظومة حماية توازن بين القرب الآمن ورمزية رأس الدولة قائد الجيش.
هكذا، بحسب #وجه_الحقيقة، لا يمكن قراءة مشهد «شرب كوب العرديب» إلا بوصفه لحظة سياسية تكشف هشاشة التوازن بين الرمز والدولة، وبين الثقة والخطر. إنها مرآة لعلاقة السودان بسلطته في زمن يتكسر فيه اليقين، وتصبح فيه التفاصيل الصغيرة مفاتيح لفهم مشهد أكبر، حيث تُدار المعركة بالسرديات والالتفاف حول القيادة بقدر ما تُدار بالبنادق والثبات، ويظل السؤال لطاقم الحماية معلقًا: كيف نقترب دون أن نفتح الباب لما لا يُحتمل؟
دمتم بخير وعافية.
الأحد 1 فبراير 2026م
Shglawi55@gmail.com



