الرأي والتحليل

وهج الفكرة.. د . أنس الماحي يكتب: البجاحة السياسية وإزدواجية المعايير

في مشهد يعكس بوضوح ازدواجية المعايير في النظام الدولي، تتصدر المظاهرات في إيران عناوين الأخبار العالمية بوصفها “قمعًا دمويًا” يستدعي العقوبات والتهديدات، بينما تمرّ مظاهرات لا تقل عنفًا واتساعًا في الولايات المتحدة مرور الكرام، دون مساءلة أو إدانة أو حتى نقاش جدي حول مسؤولية الدولة هذه المفارقة الصارخة تطرح سؤالًا جوهريًا هل باتت حقوق الإنسان أداة سياسية تُستخدم وفق المصالح لا المبادئ؟
في إيران، تتواصل الاحتجاجات منذ أسابيع على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، وسط اتهامات غربية لطهران باستخدام العنف المفرط الاتحاد الأوروبي يلوّح بعقوبات “أكثر صرامة”، وواشنطن تدرس خيارات “دبلوماسية وعسكرية” بينما يصرّ المسؤولون الإيرانيون على أن ما يجري هو محاولة خارجية لزعزعة الاستقرار، تقف خلفها الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق ما عجزتا عنه بالحرب ، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان واضحًا حين قال إن بلاده “مستعدة للحرب كما هي مستعدة للحوار”، محذرًا من سوء التقدير الأمريكي.
في المقابل تشهد الولايات المتحدة نفسها موجة احتجاجات واسعة خرج فيها عشرات الآلاف في مدن كبرى مثل مينيابوليس ونيويورك ولوس أنجلوس تنديدًا بمقتل ناشطة على يد عنصر من إدارة الهجرة والجمارك، ورفضًا لسياسات الترحيل القسرية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، وقبلها بسنوات، اهتز العالم على وقع مقتل جورج فلويد وما تبعه من احتجاجات عنيفة، سقط خلالها قتلى واعتُقل الآلاف ورغم ذلك لم نسمع عن عقوبات دولية على واشنطن، ولا عن اجتماعات طارئة لمجلس الأمن، ولا عن تهديدات “بحماية الشعب الأمريكي”.
هنا تتجلى البجاحة السياسية والازدواجية بأوضح صورها حين يكون البلد “خصمًا”، تصبح المظاهرات دليلًا على “قمع النظام”، وحين يكون “حليفًا” أو قوة عظمى، تتحول المظاهرات إلى “شأن داخلي” أو “ممارسة ديمقراطية”، حتى لو سالت الدماء في الشوارع.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن تصريحات ترامب السابقة بشأن فنزويلا، حين لمح صراحة إلى أن “المشكلة ليست مادورو، بل النفط الفنزويلي”. تصريح كاشف يختصر الكثير: الحقيقة في عالم السياسة ليست الديمقراطية ولا حقوق الإنسان بل المصالح، وعلى رأسها الطاقة والنفوذ فنزويلا تُعاقَب لأنها تملك نفطًا خارج السيطرة الأمريكية وإيران تُحاصَر لأنها ترفض الانصياع، بينما تُغضّ الأبصار عن “بلطجة سياسية” تُمارس علنًا ما دامت تصدر عن واشنطن أو حلفائها.
الصمت الدولي عن ما يجري في الولايات المتحدة مقابل التصعيد المستمر ضد إيران، لا يمكن تفسيره إلا بمنطق القوة عالم يُدان فيه الضعيف ويُحصَّن فيه القوي، وتُفصَّل فيه القيم الأخلاقية على مقاس الجغرافيا السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه إلى متى سيبقى هذا الكيل بمكيالين مقبولًا؟ وأي مصداقية تبقى لنظام دولي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما يغضّ الطرف عن انتهاكاتها حين تمس مصالحه؟
إن ما يجري اليوم من إيران إلى فنزويلا والسودان الحبيب، ومن فلسطين إلى شوارع أمريكا، يؤكد أن المعركة لم تعد فقط بين أنظمة وشعوب، بل بين حقيقة عارية تُسمى المصالح، وخطاب أخلاقي يُستخدم غطاءً عند الحاجة فقط.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى