
( 1 )
في خطوة غير مسبوقة وخطيرة فجّرت إسرائيل أزمة جديدة في منطقة القرن الإفريقي بإعلان اعترافها بإقليم «أرض الصومال» ككيان مستقل عن جمهورية الصومال الفيدرالية، في تحدٍ صارخ لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضربٍ مباشر لمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها وليس هو الأول من نوعه ، فاسرائيل الطفل المدلل لأمريكا اعتاد على ضرب كل القيم والمبادئ والعراف الدولية تحت مظلة من الحماية الأمريكية، ولعل ذلك تطبيقاً لمبدأ من “ترك الذئب يأكل جاري، فلن يشبع حتى يأكلني” تركنا غزة تِكل فلم يشبع الكلب فهل من مزيد.
( 2 )
برز في قلب هذا المشهد ما يمكن تسميته بـالتحالف الرباعي، الذي يضم مصر وتركيا وجيبوتي والصومال، باعتباره رأس الحربة في مواجهة هذا التحرك الإسرائيلي. فقد جاءت الاتصالات المكثفة بين وزراء خارجية الدول الأربع لتؤكد موقفًا موحدًا لا لبس فيه وهو رفض كامل للاعتراف الإسرائيلي، دعم مطلق لوحدة وسيادة الصومال ورفض قاطع لأي محاولات لفرض كيانات موازية أو خلق واقع جيوسياسي جديد بالقوة السياسية.
( 3 )
أهمية هذا التحالف لا تكمن فقط في بيانات الإدانة، بل في الوزن الجيوسياسي للدول الأربع، التي تشرف جغرافيًا وسياسيًا على واحدة من أخطر الممرات الملاحية في العالم: البحر الأحمر وباب المندب. ومن هنا، فإن التحالف الرباعي يمثل خط الدفاع الأول ضد أي محاولات لزعزعة استقرار المنطقة أو تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.
( 4 )
21 دولة ترفض اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» والتحالف الرباعي في مواجهة العبث بالسيادة ، هذا الإعلان لم يمر مرور الكرام، إذ قوبل برد عربي–إسلامي واسع، تُوّج ببيان مشترك تاريخي صدر عن 21 دولة عربية وإسلامية، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي أكدت فيه رفضها القاطع لهذا الاعتراف، محذّرة من تداعياته الخطيرة على السلم والأمن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بل وعلى الأمن الدولي بأسره ولكن هل الرد الرباعي كافٍ؟ وهل الرد العربي كافٍ؟
( 5 )
رغم أهمية التحالف الرباعي، فإن السؤال الجوهري يظل مطروحًا هل يكفي هذا الرد؟ الإجابة الواقعية : لا، إذا ظل في إطار البيانات فقط فالرد السياسي ضروري، لكنه غير كافٍ ما لم يُترجم إلى تحركات دبلوماسية فاعلة داخل الأمم المتحدة، وضغوط اقتصادية وسياسية حقيقية، وتنسيق أمني إقليمي يمنع أي وجود أجنبي مشبوه في المنطقة.
( 6 )
أما الرد العربي والإسلامي الأوسع ورغم أهميته الرمزية، فإنه يعاني من أزمة مزمنة ضعف الإرادة الجماعية. بيانات الشجب والإدانة تتكرر، لكن دون كلفة حقيقية تدفع إسرائيل إلى التراجع.
( 7 )
البيان العربي الإسلامي خطوة مهمة والتحالف الرباعي يمثل نواة صلبة للمواجهة، لكن المعركة الحقيقية ليست في إصدار البيانات بل في تحويل الرفض إلى أفعال فالسيادة لا تُحمى بالكلمات، ووحدة الدول لا تُصان إلا بقوة الموقف .. وإسرائيل لا تتراجع إلا حين تشعر أن كلفة التمادي أكبر من مكاسبه ولكن يبقي السؤال الكبير : لماذا أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة؟
( 8 )
الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع فإسرائيل لا تتحرك بدوافع عاطفية أو أخلاقية، بل وفق حسابات استراتيجية دقيقة، من أبرزها : التمدد في القرن الإفريقي حيث تسعي إلى إيجاد موطئ قدم جديد قرب البحر الأحمر وباب المندب، بما يعزز نفوذها الأمني والعسكري ويمنحها أوراق ضغط إضافية في الممرات البحرية الحيوية كذلك كسر الطوق العربي– الإسلامي عبر اختراق دول هشة أو أقاليم انفصالية، في محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ بعيدًا عن الإجماع الدولي.
( 9 )
كما ان الاحتلال يحاول الهروب للأمام من أزمة غزة : إذ تحاول إسرائيل تصدير أزماتها وخلق وقائع جديدة تشغل الرأي العام الدولي وتخفف الضغط المتزايد عليها بسبب الجرائم المرتكبة في قطاع غزة ضف الي ذلك شرعنة منطق التفتيت فقبول انفصال «أرض الصومال» يفتح الباب لتبرير سياسات الاحتلال، والضم، وفرض الأمر الواقع في فلسطين وغيرها.
( 10 )
الحقيقة المؤلمة أن ما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لبدايات الضعف العربي في التعامل مع قضية غزة. حين تُركت غزة وحدها، وتحوّلت المجازر إلى أرقام، أدركت إسرائيل أن السقف العربي منخفض، وأن الردود لن تتجاوز الكلمات وما يحدث في الصومال ليس معزولًا بل حلقة في سلسلة طويلة من اختبار الإرادة العربية، فإن لم تُكسر هذه الحلقة الآن، فالقادم أخطر والخرائط أكثر هشاشة / والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم : هل نتعلم من غزة قبل أن نفيق على صومالٍ جديد… أو خريطة عربية أكثر تمزقًا ؟



