
كان ين ماثيو شول كادرا سياسيا مثقفا، وخطيبا بارعا، يمتلك قدرة واضحة على مخاطبة الجمهور وإدارة النقاش وتقديم الأفكار بثقة واتزان. لم يكن حضوره قائما على موقعه التنظيمي وحده، بل على ثقافته السياسية وقدرته على التعبير والإقناع، وهي صفات جعلته من الوجوه المعروفة في أوساط الحركة الطلابية والعمل السياسي. وقد ارتبط تكوينه الفكري بمشروع السودان الجديد، الذي تبناه منذ انضمامه إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1995، ووجد فيه تصورا سياسيا يتجاوز الانقسامات الجغرافية والقبلية والدينية، ويطرح رؤية لمعالجة أزمات الدولة السودانية.انتقل ين ماثيو بين محطات متعددة في مسيرته؛ بدأ نشاطه السري في الخرطوم، ثم التحق بالجبهة الرابعة مشاة في جبال النوبة تحت قيادة الفريق عبد العزيز آدم الحلو، وعمل في وحدة التوجيه السياسي بالجيش الشعبي، قبل أن يتولى سكرتارية الشباب والطلاب في القطاع الشمالي، ويصبح لاحقا الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية. وتكشف هذه المسيرة عن كادر جمع بين الثقافة السياسية والخطابة والعمل التنظيمي والخبرة العسكرية والإعلامية، وشارك في مرحلة مهمة من تاريخ الحركة الشعبية والحركة الطلابية السودانية.
ينحدر ين ماثيو شول من منطقة الناصر بأعالي النيل. وفي عام 1995، انضم إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، وكانت بدايته السياسية في الخرطوم، خلال سنوات حكم نظام الإنقاذ، حين لم يكن النشاط السياسي المعارض متاحا بصورة علنية، خصوصا بالنسبة إلى التنظيمات المرتبطة بالحركة المسلحة.وعندما يستعيد تلك الفترة، يتحدث عن واقع كان فيه العمل السياسي يجري بحذر، وعن أعضاء اضطروا إلى استخدام مسميات وواجهات تنظيمية مختلفة لتجنب الملاحقة الأمنية. لم يكن ممكنا، بحسب روايته، أن يتحرك الأعضاء باسم الحركة الشعبية بصورة مباشرة، لذلك اتخذ النشاط شكل مجموعات تعمل داخل الأحياء، وتنشر الأفكار وتناقش قضايا التغيير من دون الكشف عن الارتباط التنظيمي.كانت المسألة بالنسبة إليه أكبر من مجرد الانضمام إلى تنظيم سياسي. فقد وجد في مشروع السودان الجديد تصورا لمعالجة الأزمة السودانية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولم يكن مقتنعا بتفسير الأزمة السودانية باعتبارها خلافا بين الشمال والجنوب، أو نزاعا حول السلطة بين مجموعات جغرافية، بل رأى أن جذور الأزمة ترتبط بطبيعة الدولة وبنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي حديثه عن تلك المرحلة، رفض اختزال الحركة الشعبية في هويتها الجنوبية أو اعتبارها تنظيما إقليميا، مشيرا إلى أن نشأتها في جنوب السودان لا تعني أن مشروعها محصور في تلك المنطقة. وبالنسبة إليه، كان السودان الجديد مشروعا سياسيا لمعالجة أزمة البلاد كلها، وليس مجرد شعار لتعبئة أبناء منطقة بعينها. وكان هذا الاقتناع من الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى اختيار الحركة الشعبية، في وقت رأى فيه أن عددا من الأحزاب السودانية لم يستطع تقديم قراءة شاملة لأزمة البلاد، بينما قدمت الحركة منذ تأسيسها عام 1983 تصورا يتجاوز الخلاف التقليدي بين الشمال والجنوب.وبعد سنوات من العمل السري، جاءت مناسبة عام 2000 لتشكل محطة مهمة في ذاكرته السياسية. فقد تحدث ين ماثيو عن احتفال الحركة الشعبية بذكرى تأسيسها في الخرطوم، وهي مناسبة شهدت رفع علم الحركة في العاصمة، رغم الظروف الأمنية والسياسية التي كانت تحيط بنشاطها.كانت دلالة الحدث تتجاوز الاحتفال بذكرى تأسيس تنظيم سياسي. فالحركة التي اعتادت السلطة تصويرها باعتبارها قوة موجودة في مناطق القتال والغابات، كانت تحاول إظهار أن لها أعضاء ومؤيدين داخل العاصمة نفسها، وأن حضورها لا يتوقف عند المناطق التي تدور فيها الحرب.
وبالنسبة إلى الكوادر التي شاركت في العمل السري خلال السنوات السابقة، كان الانتقال إلى نشاط أكثر علنية تعبيرا عن تغير في طبيعة الحضور السياسي للحركة. فقد بدأت الخلايا الصغيرة والواجهات التنظيمية تفسح المجال أمام مناسبات تظهر فيها الحركة بصورة أوضح داخل المدن. وجاء ذلك في وقت كانت فيه البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من التفاوض السياسي، وكان السؤال المطروح يتجاوز قدرة الحركة على مواصلة القتال إلى قدرتها على ممارسة العمل السياسي والمنافسة داخل المجال العام.لم تتوقف تجربة ين ماثيو عند العمل السياسي في الخرطوم. فقد قادته ظروف المرحلة إلى الانتقال إلى جبال النوبة، حيث التحق بالجبهة الرابعة مشاة تحت قيادة الفريق عبد العزيز آدم الحلو. ولم يكن انتقاله إلى تلك الجبهة مجرد تغيير في مكان النشاط، بل انتقالا إلى تجربة مختلفة فرضت عليه الاحتكاك بالواقع العسكري والاجتماعي للمناطق التي كانت تخضع لسيطرة الجيش الشعبي.ويذكر في شهادته أن علاقاته بعدد من أبناء جبال النوبة الذين كانوا يقيمون في أحياء الكلاكلات بالخرطوم ساعدته على التعرف إلى طبيعة العمل هناك. وكان بعض أصدقائه قد شجعوه على الالتحاق بالجبهة الرابعة، قبل أن يخضع للتدريب العسكري ويوزع لاحقا على وحدة التوجيه السياسي بالجيش الشعبي.
في تلك المرحلة، لم تكن مهمته مرتبطة بالعمل العسكري وحده. فقد كانت وحدة التوجيه السياسي تضطلع بمهمة نشر مشروع السودان الجديد وسط المستجدين في الجيش الشعبي والمواطنين في المناطق المحررة. وكان المطلوب من الكوادر العاملين فيها تقديم الأفكار السياسية للحركة وشرح مشروعها والتواصل مع المجتمعات المحلية.ويشير ين ماثيو إلى نقطة مهمة في وصفه لتلك التجربة، وهي أن وجود إدارة مدنية تديرها الحركة الشعبية في منطقة معينة لا يعني أن جميع سكانها أصبحوا أعضاء في التنظيم. فقد كانت المجتمعات تضم اتجاهات اجتماعية وسياسية مختلفة، ولم يكن الانتماء إلى الحركة شرطا للعيش في المناطق الخاضعة لإدارتها.وقد لفت انتباهه التنوع الاجتماعي والثقافي الذي تتميز به جبال النوبة. وكان يرى في هذا التنوع صورة قريبة من الأفكار التي يدعو إليها مشروع السودان الجديد، خصوصا ما يتعلق بالتعايش بين المجموعات المختلفة وعدم جعل الاختلافات الاجتماعية والدينية أساسا للتمييز السياسي. وهكذا أصبحت جبال النوبة بالنسبة إليه أكثر من موقع عسكري أدى فيه مهمة تنظيمية؛ كانت تجربة اجتماعية وسياسية وسعت معرفته بالمجتمع السوداني، وأتاحت له اختبار الأفكار التي اقتنع بها في الخرطوم على أرض الواقع.ومن التفاصيل التي يتوقف عندها ين ماثيو في حديثه تجربته مع القيادة عندما طلب الانتقال إلى جنوب السودان لأسباب أسرية. كان قد أصبح حديث التخرج من الجامعة، وكانت رغبته في تلك الفترة أن يكون قريبا من أسرته وأهله. لذلك تقدم بطلب الانتقال، لكنه لم يحصل على الموافقة. ووفقا لروايته، أبلغته القيادة بأن الظروف الأمنية لا تسمح بذلك، وأن متطلبات العمل تفرض عليه البقاء في الموقع الذي كلف به.لم يكن القرار سهلا بالنسبة إليه، خصوصا أن المسألة لم تكن مرتبطة برغبته في ترك العمل، وإنما بحاجته إلى القرب من أسرته. لكنه قبل في النهاية مواصلة مهمته في جبال النوبة. وعندما ينظر إلى تلك التجربة، يتحدث عن أثرها في تكوينه السياسي والاجتماعي، وعن المعرفة التي اكتسبها من خلال العمل وسط مجتمع مختلف ومتعدد الانتماءات.
وتقدم هذه الواقعة جانبا من طبيعة العلاقة بين الكادر والقيادة داخل الحركة الشعبية في سنوات الحرب، حيث كان الالتزام التنظيمي يرتبط أحيانا بقبول تكليفات بعيدة عن الرغبات الشخصية والظروف الأسرية. ومع ذلك، تظل هذه شهادة فردية عن تجربة ين ماثيو، ولا ينبغي تعميمها على جميع الكوادر أو اعتبارها وصفا كاملا لطبيعة العلاقات التنظيمية داخل الحركة.بعد تجربته في جبال النوبة، انتقل ين ماثيو إلى مرحلة أخرى من العمل السياسي، عندما تولى مسؤولية سكرتارية الشباب والطلاب في القطاع الشمالي للحركة الشعبية. وكان هذا الموقع يتطلب مهارات مختلفة عن تلك التي مارسها في وحدة التوجيه السياسي. فالتعامل مع الجامعات والاتحادات الطلابية والتنظيمات السياسية يحتاج إلى القدرة على الحوار وبناء العلاقات وإدارة الخلافات، إلى جانب المعرفة بالملفات السياسية والتنظيمية.وتؤكد مادة نشرتها صحيفة «سودان تريبيون» في 14 أبريل 2006 صفته سكرتيرا للشباب والطلاب في القطاع الشمالي. وقد نقلت عنه موقف الحركة الشعبية من أزمة جامعة جوبا، ومطالب الطلاب بإعادة الجامعة إلى جنوب السودان.
كانت الجامعة في ذلك الوقت تعيش توترا بسبب اعتقال عدد من الطلاب، والخلافات المتعلقة باتحاد الطلاب، وانتشار الشرطة داخل الحرم الجامعي، فضلا عن مقاطعة الامتحانات والاحتجاجات المرتبطة بمستقبل الجامعة. وفي خضم تلك الأحداث، أعلن ين ماثيو تأييد الحركة لمطالب الطلاب، ودافع عن موقفهم باعتباره مستندا إلى القانون، مؤكدا أن جامعة جوبا أنشئت لخدمة التنمية في جنوب السودان، وأن الظروف التي أدت إلى انتقالها إلى الخرطوم لم تعد قائمة بعد توقف الحرب.تكشف هذه الواقعة عن طبيعة الملفات التي كانت تقع ضمن مسؤوليته؛ فلم يكن قطاع الشباب والطلاب مجرد جهاز تنظيمي لتسجيل العضوية أو إقامة الأنشطة، بل كان حاضرا في القضايا التي تمس مستقبل التعليم والطلاب وعلاقة المؤسسات الأكاديمية بالتحولات السياسية في البلاد.كما أن نشاط القطاع لم يكن محصورا في جامعة جوبا، بل امتد إلى عدد من الجامعات في شمال السودان، حيث عمل على توسيع حضور الحركة الشعبية وبناء علاقات مع التنظيمات الطلابية الأخرى. وفي حديثه عن تلك المرحلة، أشار ين ماثيو إلى نجاحات تنظيمية حققها القطاع في بعض الجامعات، وإلى محاولات استهداف نشاطه السياسي من جانب خصوم الحركة. وكانت الجامعة بالنسبة إلى هذه الكوادر مساحة للعمل السياسي والنقاش الفكري، ومجالا للتنافس بين المشاريع والتنظيمات المختلفة.لم يكن العمل في القطاع الشمالي منفصلا عن التحديات التنظيمية التي واجهت الحركة الشعبية، خاصة في السنوات التي أعقبت اتفاقية السلام الشامل. وفي المقابلة، تناول ين ماثيو ما تردد عن وجود صراعات بين الشماليين والجنوبيين داخل القطاع، ورفض تفسير الخلافات التنظيمية باعتبارها صراعا قائما على الهوية الجغرافية. ورأى أن بعض الروايات التي انتشرت في ذلك الوقت كانت تهدف إلى إظهار القطاع وكأنه يعيش انقساما بين مجموعتين، بدلا من النظر إلى الخلافات في سياقها السياسي والتنظيمي.كما تحدث عن علاقته بياسر عرمان، الذي كان مسؤوله المباشر في القطاع الشمالي، ووصفه بأنه صديق وقائد يستطيع الكادر مناقشة قراراته والاختلاف معه وانتقاده داخل الاجتماعات. وكان ين ماثيو يؤكد أن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة وجود خصومة شخصية أو صراع تنظيمي، وأنه كان يعتز بالعمل تحت قيادته.، يظهر ين ماثيو بوصفه كادرا لم يكن نشاطه محصورا في الجانب الطلابي، بل شارك في النقاشات المتعلقة بمستقبل القطاع الشمالي وعلاقته بقيادة الحركة الشعبية. كما تكشف شهادته عن طبيعة التوترات التي كانت تحيط بالتنظيم في مرحلة الانتقال من الحرب إلى العمل السياسي المفتوح.امتدت مهارات ين ماثيو في الخطابة والتعبير إلى المجال الإعلامي، ومع توسع حضوره السياسي أصبح أحد الناطقين باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان. ومنذ عام 2008، بدأت التغطيات الصحفية تستخدم له صفة الناطق باسم الحركة، وظهرت تصريحاته في عدد من القضايا التي شكلت جوهر الخلاف السياسي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني خلال السنوات السابقة لاستقلال جنوب السودان.كان أمامه في هذا الموقع دور مختلف؛ إذ لم يعد يخاطب الطلاب وأعضاء التنظيم وحدهم، بل أصبح مطالبا بتقديم مواقف الحركة إلى الرأي العام، والتعامل مع أسئلة الصحفيين، والدفاع عن مواقف القيادة في ملفات سياسية معقدة.
وفي عام 2009، ظهر في مواد صحفية متعددة متناولا تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، والعلاقة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، وعائدات النفط، والحريات السياسية، والخلافات الداخلية، إلى جانب القضايا المرتبطة بلام أكول وحادثة مقر الحركة في الخرطوم ومسيرة المعارضة التي شهدتها العاصمة في ديسمبر من العام نفسه.وكان ملف النفط من القضايا التي احتاجت إلى حضور إعلامي وسياسي مستمر، بسبب الخلافات حول الشفافية في إدارة الموارد وتقاسم العائدات بين شريكي اتفاقية السلام. كما شارك في تقديم مواقف الحركة بشأن التحول الديمقراطي والاستفتاء وتقرير المصير، وهي قضايا لم تكن مجرد ملفات تفاوضية، بل كانت مرتبطة بمستقبل السودان ووحدة الدولة أو انفصال الجنوب.وفي عام 2011، ظهر اسمه في سياق التصريحات المتعلقة بمفاوضات أديس أبابا والقضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان، بما في ذلك الأوضاع في جنوب كردفان. وبذلك انتقل من مخاطبة الجمهور في الاجتماعات والأنشطة الطلابية إلى مخاطبة الرأي العام عبر وسائل الإعلام. وكانت قدرته على التعبير وإدارة النقاش، التي عرف بها في سنوات النشاط الطلابي، جزءا من الأدوات التي اعتمد عليها في أداء مهمته الإعلامية.ومن المحطات التي تستحق التوقف عندها في مسيرته زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية ضمن وفد الحركة الشعبية الذي شارك في مؤتمري الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتشير مقدمة مقابلة أجرتها معه صحيفة «أجراس الحرية» إلى هذه المشاركة، التي تعكس جانبا من نشاط الحركة الشعبية في التواصل السياسي الخارجي ومحاولة تقديم مواقفها أمام المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية.لم تكن هذه الزيارة امتدادا للنشاط الطلابي أو العسكري، بل مثلت مساحة أخرى من العمل السياسي، انتقل فيها ممثل الحركة إلى محيط سياسي مختلف، حيث تتداخل الأحزاب والمؤسسات ومراكز التأثير في صناعة المواقف المتعلقة بالسودان. وقد أتاحت المقابلة للقراء التعرف إلى جانب من تجربته، من بدايات العمل السري في الخرطوم إلى الخدمة العسكرية في جبال النوبة، ثم مسؤولية الشباب والطلاب، وصولا إلى الناطقية باسم الحركة الشعبية وقضية اعتقاله التي تناولها الحوار.لكن التاريخ الدقيق للزيارة والمقابلة، وأسماء بقية أعضاء الوفد، لا تزال معلومات تحتاج إلى مراجعة أرشيف الصحيفة والمصادر المرتبطة بالمشاركة، حتى لا يتحول التوثيق إلى مجرد تقدير زمني غير مؤكد.
بعد استقلال جنوب السودان عام 2011، دخلت تجربة ين ماثيو مرحلة أخرى، لم تتضح جميع تفاصيلها بعد. وتشير المعلومات المتاحة إلى انتقاله في مارس 2017 إلى جبهة الخلاص الوطني بقيادة توماس شريلو.كما ورد اسم Yien Matthew في تقرير صحفي عام 2021 بصفته متحدثا عسكريا في جبهة الإنقاذ الوطني (NAS)، مع الإشارة إلى أنه كان متحدثا سابقا باسم الحركة الشعبية.وهذا الانتقال يفتح بابا مهما لفهم التحولات السياسية التي شهدتها مسيرته بعد الاستقلال. فالكادر الذي قضى سنوات في الحركة الشعبية، وعمل في قطاعها الطلابي والعسكري والإعلامي، ظهر لاحقا في صفوف تنظيم معارض مسلح للحكومة في جنوب السودان. لكن تفسير هذا التحول يحتاج إلى معلومات إضافية عن ظروف مغادرته الحركة الشعبية، وتاريخ انضمامه إلى جبهة الخلاص الوطني، والأسباب السياسية التي دفعته إلى تغيير موقعه التنظيمي. ولا تكفي الإشارات الصحفية المتاحة وحدها لتقديم رواية نهائية عن هذه المرحلة.
عند العودة إلى مسيرة ين ماثيو شول، نجد أنفسنا أمام تجربة جمعت بين أكثر من مجال في العمل السياسي. فقد بدأ في بيئة طلابية وسياسية كان النشاط فيها يحتاج إلى السرية والحذر، ثم انتقل إلى العمل العسكري والتوجيه السياسي في جبال النوبة، قبل أن يتولى مسؤولية قطاع الشباب والطلاب في القطاع الشمالي، ويصبح أحد الأصوات الإعلامية للحركة الشعبية.وتكشف هذه التجربة عن طبيعة التكوين الذي مرت به بعض كوادر الحركة؛ إذ لم تكن المسارات التنظيمية منفصلة عن المعرفة السياسية والخطابة والعمل الميداني. وكان الانتقال بين هذه المواقع يفرض على الكادر اكتساب خبرات مختلفة، من التعامل مع المجتمعات المحلية إلى إدارة النقاش داخل الجامعات، ثم تقديم المواقف السياسية أمام وسائل الإعلام.وتظل شهادته عن العمل السري في الخرطوم، وتجربته في جبال النوبة، وعلاقته بالقيادة، ومشاركته في النشاط الطلابي والإعلامي، مادة مهمة لفهم جانب من تاريخ الحركة الشعبية في السودان قبل استقلال الجنوب.لكن قيمة التوثيق لا تكتمل بمجرد جمع المناصب والتصريحات؛ فهي تحتاج أيضا إلى وضع التجربة في سياقها التاريخي، والتمييز بين ما يرويه صاحب السيرة وما تؤكده الوثائق الصحفية، وترك المساحات التي لم تتوفر عنها معلومات واضحة مفتوحة للبحث.فمن الخرطوم التي بدأ فيها نشاطه سرا، إلى جبال النوبة التي اختبر فيها مشروع السودان الجديد وسط مجتمع متعدد، وصولا إلى المنابر الإعلامية والسياسية، تقدم سيرة ين ماثيو شول صورة لكادر تشكل في زمن الحرب، وعمل في أكثر من واجهة سياسية وتنظيمية، ثم واصل مساره في واقع جنوب السودان بعد الاستقلال.



