
تقرير: ريس التحرير هشام أحمد المصطفى (أبو هيام)
مقدمة
في عالم الإدارة المالية، لا تكفي الأرقام والحسابات الدقيقة وحدها لضمان النجاح، بل تتطلب القيادة الناجحة مزيجًا من النزاهة، البصيرة، والتخطيط السليم. وفي الولاية الشمالية، التي تواجه تحديات اقتصادية وتنموية متزايدة، برز اسم الأستاذ عبدالله العاز كأحد القيادات التي استطاعت أن توائم بين حماية المال العام وتحقيق التنمية المستدامة.
فمنذ توليه قيادة وزارة المالية، لم يكن مجرد مسؤول عن إعداد الميزانيات، بل كان مهندسًا لنهج إداري جديد، يقوم على الشفافية والمساءلة، ويهدف إلى بناء قاعدة مالية قوية تخدم المواطنين وتلبي احتياجاتهم الملحّة.
أمانة في حفظ المال العام
من أبرز ما ميّز مسيرة عبدالله العاز التزامه الأخلاقي الصارم بحماية المال العام. فقد كان يعتبر أن كل جنيه يدخل خزينة الولاية أمانة في عنقه، وأن أي إهدار للموارد يعد جريمة في حق المجتمع.

لذلك أسس منظومة رقابة محكمة داخل الوزارة، تضمنت لجان مراجعة دورية، وتحديث نظم المتابعة المحاسبية، وتطبيق برمجيات حديثة لرصد الصرف العام بدقة وفي الوقت الفعلي.
كما حرص على أن تُعرض الميزانيات بشفافية أمام الجهات التشريعية والرأي العام، حتى يعرف المواطن أين تذهب موارده، وكيف يتم استثمارها. وقد أسهم هذا النهج في خفض معدلات التجاوزات المالية، وتحسين كفاءة الإنفاق بشكل ملحوظ.
إصلاح إداري شامل
أدرك العاز منذ البداية أن المال العام لا يمكن استثماره بكفاءة ما لم يكن الجهاز الإداري منظمًا وفعّالًا. لهذا أطلق مشروعًا للإصلاح الإداري داخل وزارة المالية، شمل إعادة هيكلة الإدارات، وضبط الصلاحيات والمسؤوليات، وتقليل التعقيدات البيروقراطية.
كما عمل على تأهيل الكوادر البشرية عبر برامج تدريبية متخصصة، تضمنت دورات في المحاسبة الحكومية، والتخطيط المالي، وإدارة المشروعات، إضافة إلى التدريب على النظم الإلكترونية الحديثة.
وقد ساعد هذا الإصلاح على تسريع الإجراءات، وتقليل الأخطاء، وتحقيق تنسيق أفضل بين الإدارات المختلفة، مما انعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
التخطيط المالي بعيد المدى
يمتلك العاز نظرة بعيدة المدى، إذ يؤمن أن أي وزارة مالية لا تضع رؤية واضحة لعدة سنوات مقبلة ستظل أسيرة ردود الأفعال اللحظية.
لهذا وضع خططًا مالية استراتيجية، حدد من خلالها أولويات الإنفاق، وسعى لتحسين الإيرادات عبر تطوير التحصيل الضريبي والرسوم الحكومية، مع مراعاة العدالة الاجتماعية في فرض الرسوم حتى لا تثقل كاهل المواطن.
كما ربط هذه الخطط بمشاريع تنموية كبرى، شملت دعم البنية التحتية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتشجيع الاستثمار في الزراعة والصناعة.
تحريك عجلة التنمية
لم يقتصر دور العاز على إدارة الشؤون المالية على الورق، بل عمل على ترجمة الأرقام إلى مشاريع واقعية تنهض بالولاية. فقد نجح في توجيه الموارد إلى مشاريع استراتيجية، مثل إنشاء طرق جديدة تربط المناطق الزراعية بالأسواق، ودعم مشاريع الري الحديثة، وتمويل مبادرات الطاقة الشمسية في القرى النائية.
كما أسهم في استقطاب شراكات مع منظمات تنموية وبنوك وطنية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بهدف خلق فرص عمل للشباب، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات.
التعامل الحكيم مع الأزمات
شهدت فترة قيادته لوزارة المالية ظروفًا اقتصادية صعبة، نتيجة لتأثيرات الحرب وتراجع الإيرادات العامة. لكن العاز تعامل مع هذه التحديات بسياسة تقشف مدروسة، ركزت على حماية القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والمياه، مع إعادة جدولة المشاريع الأقل أولوية.
كما فتح أبواب التعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، لتخفيف العبء عن الموازنة العامة، عبر شراكات في تمويل بعض الخدمات والمشاريع. وقد مكّن هذا النهج الولاية من مواصلة تقديم الخدمات الأساسية رغم محدودية الموارد.
النزاهة كمنهج مؤسسي
لم تكن نزاهة العاز سلوكًا شخصيًا فحسب، بل تحولت إلى ثقافة مؤسسية داخل وزارة المالية. فقد أسس بيئة عمل تقوم على الصدق والانضباط، مما جعل موظفي الوزارة يدركون أن الالتزام بالقوانين واللوائح واجب لا يمكن التهاون فيه.
وقد انعكست هذه الثقافة على صورة الوزارة أمام المواطنين، فارتفعت مستويات الثقة، وشعر الناس بأن مواردهم تُدار بعناية ومسؤولية.
رؤية اقتصادية للمستقبل
يدرك العاز أن الولاية الشمالية تزخر بموارد اقتصادية ضخمة، من الزراعة إلى السياحة مرورًا بالثروات المعدنية. لذلك عمل على وضع رؤية اقتصادية مستقبلية تستثمر هذه الموارد بشكل متوازن ومستدام.
وتضمنت هذه الرؤية تطوير البنية التحتية الداعمة للاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتقديم حوافز للمستثمرين، مع ضمان استفادة المجتمع المحلي من العوائد من خلال خلق وظائف وتطوير الخدمات.
التواصل مع المجتمع
على عكس كثير من المسؤولين الذين يكتفون بالمكاتب المغلقة، كان عبدالله العاز يحرص على التواصل المباشر مع المواطنين. فقد كان يعقد لقاءات دورية مع ممثلي القرى والمجتمعات المحلية للاستماع إلى احتياجاتهم، وشرح خطط الوزارة بلغة مبسطة ومفهومة.
هذا التواصل عزز الشفافية، وخلق جسور ثقة متينة بين الوزارة والمجتمع، وأتاح وضع خطط أكثر واقعية تستجيب للأولويات الفعلية للمواطنين.
دروس من التجربة
تجربة عبدالله العاز في قيادة وزارة المالية تؤكد مجموعة من الحقائق المهمة:
النزاهة أساس النجاح الإداري والمالي.
التخطيط بعيد المدى يضمن استقرار الأداء حتى في الأزمات.
إشراك المجتمع في القرار المالي يعزز الثقة والفعالية.
الاستثمار في الكوادر البشرية ينعكس مباشرة على جودة الخدمات.
خاتمة
إن سيرة الأستاذ عبدالله العاز تمثل شهادة حية على أن القيادة المالية الرشيدة قادرة على إحداث تغيير ملموس في واقع أي ولاية. فهو نموذج للمسؤول الذي جمع بين الأمانة والكفاءة، وحوّل وزارة المالية إلى أداة حقيقية للتنمية، لا مجرد جهاز إداري لتوزيع الموارد.
وفي زمن تتعاظم فيه التحديات، تبقى البلاد في حاجة إلى قيادات واعية على شاكلة العاز، تدرك أن إدارة المال العام مسؤولية وطنية كبرى، وأن التنمية تبدأ من ميزانية شفافة، وإدارة كفؤة، ورؤية واضحة للمستقبل.



