
تتفق معظم الدراسات النفسية على أن الغيرة بين النساء أشد منها بين الرجال، غير أنّ الغيرة بين الزملاء في المهنة الواحدة تتجاوزهما معًا لتكون أشدّ حدّة وضراوة. وهذه ليست ملاحظة جديدة؛ فالتاريخ حافل بنماذج لعلماء كبار تورطوا في خصومات وصراعات شخصية لا تمت بصلة إلى روح البحث والمعرفة، فما بالك بغيرهم من المشتغلين في سائر المهن. لما للمهنيين والمهن من دور في تطوير المجتمعات نبعت مواثيق الشرف المهني وقواعد السلوك التي وضعتها معظم المهن الراسخة، لتلزم عضويتها بالاحترام المتبادل، حاظرة عليهم تحويل الخلافات الفكرية أو المهنية إلى مواجهات شخصية تمس كرامة الزملاء أو تقوّض ثقة المجتمع في المهنة نفسها.
هذا الصباح، تابعت الإعلامي علي فارساب يستضيف على قناته في “اليوتيوب” حواراً جمع اثنين من أبرز الصحفيين السودانيين. ورغم أنّ موضوعات اللقاء كانت غاية في الأهمية إلا إن جوهر الحلقة انصرف، بكل أسف، إلى شخصنة الصراع بين الضيفين، مستنزفاً وقتاً ثميناً من البث. ولم يقف الأمر عند حدود الاستوديو، بل امتد إلى فضاءات أخرى عبر “فيسبوك” و”واتساب” وسواهما من وسائط التواصل، وكأننا أمام مباراة كروية، من شاكلة هلال مريخ، لا مناظرة صحفية يُفترض أن تعزز المهنية وترفع مستوى النقاش العام.
هذه الفرص الذهبية، لا تتطلب الالتزام بالمهنية وعدم الانشغال بالاستفزازات وحسب، بل اغتنامها لتسليط الضوء على ما يمكن الاتفاق عليه خدمةً للوطن والرأي العام، وفي الوقت نفسه لإرسال رسالة واضحة إلى الأجيال الجديدة من الإعلاميين بأن الزمالة تقتضي البحث عن المشتركات لا توسيع الشروخ. فالخصومات الشخصية لا تبني وطناً، ولا تخدم مهنة، بل قد تشكّل في بعض وجوهها خيانة للقضية الأعظم التي تحتاج إلى وحدة الصف لا إلى مزيد من الانقسام. واجبنا، ومهما تباينت وجهات نظرنا، أن نضع في الاعتبار واقع الحرب وتداعياتها، فنرتقي إلى مستوى المهنة وأمانة الكلمة مدركين أن أي حوار يُدار بعقلية المشجعين لا بعقلية الملتزمين بأخلاقيات المهنة حتماً سيسيء إلينا جميعًا ويهدر ثقة الناس فيما نقول.
الخرطوم 17 أغسطس 2025



