
لم تعد المعركة الحالية التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع مقتصرة على الميدان وحده، بل انتقلت إلى المنصات الرقمية والصفحات والمجموعات، حيث تُدار أخطر أشكال التضليل تحت لافتة «كشف الفساد» و«قول الحقيقة». وفي هذا المناخ الملبد، تُهزم الصفحات الصادقة حين تسمح – عن حسن نية أو غفلة – باختراقها من مصادر لا دين لها ولا أخلاق، تحركها الأحقاد وتغذيها الرغبة في تصفية الحسابات، لا الحرص على الوطن ولا الدفاع عن القيم.
إن أخطر ما يواجه الرأي العام اليوم ليس الفساد في حد ذاته فحسب، بل كشف الفساد بلا مستندات، واتهام المؤسسات بالقيل والقال، في محاولة لتحويل الشائعة إلى حقيقة متداولة. فالدولة لا تُدار بالهمس، ولا تُبنى بالمنشورات الانفعالية، ولا تُصلح بالقذف والتشويه، بل بالقانون والبيّنة والحقائق الموثقة، أو بواقع الملف. وكل محاولة لتجاوز هذه الأسس لا تمثل شجاعة، بل فوضى، ولا تخدم الإصلاح، بل تهزم القيمة ذاتها وتسيء للفكرة قبل الشخص.
ولم يخلُ التاريخ من المنافقين الذين بذروا سمومهم وخلقوا الفتن في صدر الإسلام، في عهد معلم البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لم ولن تسلم مجتمعاتنا اليوم من نفوس ضعيفة، تُظهر دعمها لتوجه الدولة، وفي الوقت نفسه تكون أبعد ما يكون عن الدين والخلق القويم، وأبعد عن المهنية، إذ تسعى لخلق بلبلة وهدم الثقة العامة. هي مصادر حاقدة حاسدة، تتوهم أن التشهير طريق للتمكين، وأن خلط الأوراق قد يصنع لها موقعًا أو بديلًا في لحظة اضطراب.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن في محتواها فقط، بل في أثرها التراكمي على الوعي الجمعي، حين تختلط الحقائق بالأكاذيب، ويُستنزف الرأي العام في معارك جانبية، وتُضرب مصداقية المنصات الجادة التي يفترض أن تكون أدوات تنوير، لا معاول هدم.
وخلاصة القول، إن أخطر ما يواجه الدولة في هذه المرحلة ليس الخصوم المعلنين، بل الأصوات المتخفية خلف شعارات الإصلاح، وهي تمارس أبشع أشكال التضليل وتسميم الفضاء العام. فالوطن لا يُبنى بالافتراء، ولا تُسترد هيبة الدولة بالتشويه، ولا تُحارب الشائعات بشائعات مضادة.
إن المرحلة تقتضي وعيًا جمعيًا يميز بين النقد المسؤول والتجريح، وبين كشف الفساد والاغتيال المعنوي، وتفرض على الإعلاميين والناشطين والصفحات ذات التأثير أن يختاروا موقعهم بوضوح: إما في صف الحقيقة المدعومة بالوثيقة والدليل، أو في خانة الفوضى التي لا تخدم إلا أعداء الوطن، مهما تلونت شعاراتها وتبدلت أقنعتها.
نسأل الله أن ينصر قواتنا بالعدة الجديدة في الميدان، وبوسائل وتكنولوجيا الاتصال التي تعين الأجهزة الأمنية في حربها ضد المليشيا والمختبئين.



