
أول الحروف
إخاء وحب
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
إنه معنى لطيف وحبيب، وقد استعمل القرآن الكريم مصطلح الإخاء لرابطة الدم، وكذلك لرابطة العقيدة.
فرابطة الدم في الدنيا وثيقة وقريبة ومتصلة، يشدُّ بعضها بعضًا، لكنها في الآخرة تتفرق من هول يوم القيامة:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ • وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ • وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ • لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس]
بينما تظل رابطة الحب متصلة يوم القيامة مع إخوة العقيدة:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
ولما كان إخاء الدم فطرةً مركوزةً في القلوب، تُرقِّق الحياة لأهلها وتؤلِّف بينهم في ودٍّ وحب، جعل الله أخوّة العقيدة بعد أن ألَّف بين القلوب:
﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
إخوة في العقيدة، يكون بهذا التأليف الراحة والود، ويكون الولاء والتواثق والتكافل والجهاد والنصرة، فيتحول هذا الحب إلى حياة مشرقة، وإيثارٍ مدهش، وحبٍّ لأخيك أكثر من نفسك، في رضا وتدافع:
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
أما اجتماع المصالح الدنيوية وأحزاب الشيطان، فيكون تألُّفهم فاترًا، وودُّهم عابرًا، وعملهم خاسرًا، وعرضهم بائرًا.
أخي، أحباب حزب الله يأوون الضعيف، ويطعمون المسكين، وينصرون المظلوم، ويجاهدون في سبيل الله.
فقيرهم يده عليا، لا يتطلع لغير السماء، فحبهم لله وهم لله، لا ينظرون إلى منصب ولا إلى مال، حيث يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره ما يكرهه لنفسه، بل ويؤثره عليها راضيًا واثقًا.
من كان غنيًا فهو متواضع سخيّ، ومن كان فقيرًا فهو شامخ عزيز، وبهذا تزول بينهم الفوارق الوهمية، والشعرة العصية، والكبرياء العلية، والرضا بالدنية، فتظل الرابطة قوية، وعلى التفرقة عصيّة.
ويشير القرآن الكريم أيضًا إلى معنى لطيف آخر، وهو تبادل حب العقيدة؛ فهو ليس من طرف واحد.
فهو حب العقيدة لا حب القيادة، حب التبادل لا حب التواكل، حب التضحية لا حب التحلية، حب الفضيلة لا حب الرذيلة.
فإذا تعلّق أحد هذه القلوب بالدنيا، أو بالمال، أو بالمنصب، فقد فارق قلبُه قلبَ صاحبه، وانقطع اتصاله، وانتكس حاله، فلا يشعر نحو أخيه إلا بالاستحقار في ثوب الاستغلال، والفتور في ثوب الغرور، فتنقطع الأواصر ويفتر التواصل.
وللحرف بقية…
جيش واحد… شعب واحد



