
غريب امر التأريخ ودقة السنن وقع الحافر بالحافر دون تأخير ولا تبديل وعلى نمط نمط واحد تسير بكل التفاصيل وبالحذافير حتى نأخذ حذرنا وندبر أمرنا ونغير منكرنا ونصلح حالنا ونرضي ربنا ونستدرك ما فاتنا قبل فوات الأوان وظهور عجزنا.
منذ أن تسلط علينا شذاذ الأفاق ملوك النفاق شر من وطئت قدمه الثرى على الإطلاق كنت اتوقع هذا الهلاك كيف وكان مطلبهم ان يقدموا لنا سموم العقل ببطاقة تموينية وتصوير الذات الربانية وتغيير المناهج التعليمية وتشريد العاملين في الخدمة المدنية ومحاربة الشريعة الإسلامية.
قرأت مقالا للأستاذ احمد حسن الزيات كتب قبل تسعين عاما في مجلة الرسالة العدد ( ٩٩) بتأريخ ٢٧/٥/١٩٣٥م فأصابتني الدهشة وتملكتني الحسرة فكأنما يسطر حالنا وهو ينظر إليه عبر كاميرا الزمن وينقله كأنه هو
وسوف انقل لكم بعض ما قراته وسوف اضع _على غير المعتاد_ قوسين على ما أكتبه أنا حتى يكون المقال بالألوان لأنه صور حينذ بالأبيض والأسود وذلك لزوم الإثارة ومواكبة العصر .
( أيها القحاطة ) كان فيكم الحكم فلم تأبون ان يكون معكم المجد أيضا رفعناكم واتضعنا وحكمناكم وأطعنا ثم صغنا مجدا ألقابا لعظمتكم وحشدنا أبناءنا ( في القيادة العامة ) جندا لسطوتكم وجعلنا أموالنا ( في لجنة التمكين ) مددا لثروتكم وقلنا أفراد ( أحزاب نكرة ) تقويهم روح الجماعة ورموز ( عاهات ) تلبسهم فكرة الوطن وألوية ترفعهم سواعد الأمة فإذا بضعفكم ينوء بقوة الحكومة وإسفافكم يهبط بسمو المنصب وإرتفاعكم كإرتفاع الأسهم النارية فرقعة ولألا ثم سقوط وضاء.
فقيدتكم جاذبية المادة وعقلتكم شهوة الغرض وأبيتم على نداء البطولة واستحثاث الرجولة إلا أن تكونوا ناسا كأقل الناس لكم كروش لا تكتفي ونفوس لا تشتفي وأطماع لا تحد ( تربعتم في مفاصل الدولة وتواصلتم مع السفارات ) نسيتم ان في البلد ( صاحب مخابرات ) يقظ الرأي كلوء العين يحصي عليكم الأنفاس ويتربص بكم الدوائر كان يقظان وأنتم غادين ( مخمورون ) فدلف إلينا من جهتكم وإحتج علينا بخطئكم ثم ذبكم عن الحكم ذب البعوض وقبض يديه العاريتين على سياسة البلاد ( تحت سمعكم وبصركم ) ووقفت الأمة المنكودة بين الحيرة والشك.
لا نلتمس دواعي ذلك كله في كيد الدخيل وخداع العدو فإن الغاصب يستطيع ان شاء ان يسلبك مالك بالحيلة أو استقلالك بالغيلة ولكنه لا يستطيع أن يفتنك عن شرفك وخلقك وضميرك وانت رجل إنما يدفع (القحاطة ) هذه الفيلة الأهلية الغلف بخراطيمها الماحقة وأخفافها الساحقة وإهابها الصفيق فتسوي أمامه الأرض وتمهد له الطريق وتحمل له فوق ظهورها العرش
قل لأولئك الذين أحرقوا ( السودان ) وما زالوا يعزفون أناشيد الجحيم على أوتار ( الفاشر ) ماذا جني هذا الشعب الكريم حتى سفهتم حقه في الحياة وأضعتم نصيبة من ( الثروة ) كان في يديه دولة فأين ذهبت تصرفتم في حقوقه تصرف السفيه في المال المتروك وإتخذتم من مرافقه وسائل للكيد الأحمق وموارد للربح الخاص ( بدون تعليق ).


