الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: أنانية الوجدان في ( ياما ح تشقي ما اظن تلقى)

اظن انه من الاهمية بمكان ان تكون الموسيقى وفنون الغناء والفنون الاخرى جزء اساسي في مناهج التربية والتعليم النظامي في حياتنا القادمة إذا أردنا الحصول علي نتائج طيبة و إيجابية لمجتمع صالح و راقٍ.
كثيراً ما اردد فيما أكتب أن الغناء في ثقافتنا ساهم في خلق وجدان مضطرب و أضرب امثلة على ذلك وهذا أمر أحسب أنه يحتاج اهل التخصص للحديث عنه ودراسته فالفنون بشكل او بأخر تؤثر في حياة مجتمعاتها وسلوك افراد المجتمع وجماعته.
الشخصية السودانية في مخيلتنا ولدى الاخرين تمثل الانسان الطيب .. المضياف الكريم .. الخلوق … هكذا نظن و نحب أن نظهر أمام العالم … نصنع لأنفسنا صورة مقاومة للجفاف تفيض بالعطاء و الكرم و تستقبل الغريب قبل القريب لكن ما أن نغلق الباب جيداً ونحاول محاسبة النفس والتصالح مع الذات حتى يظهر الوجه الآخر من الأنانية و حب الذات لا ذاك الحب الجميل الذي ينقذ صاحبه .. بل ذاك النوع الذي يخنق كل شيء ويجعل كل فرد هو مركز الكون ثم يطالب الآخرين بالدوران حوله دون أن يتحرك خطوة واحدة .. بالذات في العلاقة بين الجنسين و (خضوع) الجنس اللطيف لهذا المعني و المفهوم.
تربيتنا و خرافة (ود البلد ) و (الزول السمح الفات الكبار والقدرو) تجعل الذكور يريدون ان يكونوا محور المعادلة في العلاقات.
هو الذي يُنتظر، وهو الذي تُحمل همومه، فهو (شيال التقيلة) و هو الذي تُصان كرامته ، و هو الذي لا يُعاتب والمغفور له كما تقول الاغاني
أما (هي الشريك) فلها الله و لها الصبر و لها أن تؤدي دور (الراجياني) و الانتظار دون سؤال او حوار بل غناء واشعار ونصائح (للراجياني)
هنا يدخل الحلنقي و وردي ويأتي التناقض.
أغنية (يا راجياني) واحدة من أعلى قمم الوجدان السوداني شجن لا يختلف عليه اثنان لكن حين ننظر إليها بعين فاحصة وناقدة نكتشف شيئاً غريباً حبيب يقول:-
(أنا عنواني عيونك إنتي… وأي مكان تمشيهو مكاني)
و لكن هو نفسه مسافر، مبتعد، تارك البلد و مخاطباً الحبيبة بالـ(ماناسياني)… مقرراً و طالباً منها أن تظل يا (راجياني)!! في ذات حال الانتظار لا إنتصار (الشراكة) و يقول بثقة مفرطة :-
(إستنيني ولو حاولت تصدي حنيني ياما ح تشقي ما اظن تلقي حِنين ذي يريدك تاني)
منتهى الانانية والثقة المفرطة وكأنه نهاية كل جميل ومبتداها .. ز تتكرر كلمة *(انا)* و دلالات (حب الذات) بشكل غريب في تكرار عجيب و واضح بالمقطع التالي:-
يا راجياني وما ناسياني
ياما الغربة بتتحداني
و(انا) بتحدى الزمن الجاير لو في بعدك يتحداني
يا الفرهدتي فرح جواية (أنا) جملتك بألواني
(أنا) علمتك تاخدي المعنى من إحساسي وتدي معاني
أنا سافرت عشانك انتي وسبت البلد الما ناسياني
فأنا حُر أغيب لاني (سافرت عشانك انتِ) و انتِ ممنوعة عن الاعتراض و مطالبة بالسؤال (عني) وكأنها أوامر عسكرية يتم تجميلها (بأنا) اخرى… (انا عنواني عيونك).
لمّ تلاقي مسافر عايد تمشي وتسألي عن عنواني
و انا عنواني عيونك انتي و أي مكان تمشيهو مكاني
واضح ان النص لا يحمل روح (الشراكة) فهو من (يقرر) ان عنوانه عينيها لا هي صاحبة العينين!!!
و تتجلى المفارقة السودانية
نصدر خطاباً عاطفياً عميقاً لكنه خطاب متمركز حول الذات.. نعم ..الغربة تتحدى… لكن من الذي يختار السفر ثم يجعلها السبب ؟؟؟؟
الغربة في مخيلة السوداني (عدو) لكنها في نفس الوقت (حجة جاهزة)
(الغربة بتتحداني)…!!!
(الزمن الجاير بتحداني)…!!
(الوطن ما بيدينا فرصة)…!!!
(العالم قاسي وضدنا)…!!!
لكن من الذي قطع تذكرة الطيران؟؟؟
ومن الذي قرر الهجرة و ترك من يحب خلفه؟؟؟
ومن الذي يريد (العودة) و يطالب بأن يظل محبوباً دون أن يتحمل نصف الخسارة؟؟؟
هنا يتضح وجه (الأنانية)
نحن نُسقط مسؤولية الألم على الظروف، لكن نحتفظ ما استطعنا بحق الحب كاملاً…
والجملة التالية من اغرب الاشياء نحو الاحياء ناهيك عن الاحباء
كم حاولت أصارحك ياما إلا (العزة) بقت ما نعاني
يا راجياني وما ناسياني
هذه الجملة وحدها تلخص حال الوجدان السوداني
نخاف من المصارحة ، من الاعتذار ، من الاعتراف بالخطأ… ونسمي الاشياء بغير اسمائها .. (عزة) وهي كلمة تجدها في اغنيات اخريات منها بذات حروف الروي و القافية التي تشير الي (الأنا) :-
و عزة نفسي مابية علي اسلم قلبي ليك تاني
سنين الهجر بيناتنا وحاجات تانية حامياني
انه (حب للذات) في أعلى تجلياته أريد أن أحب… دون أن أبدو ضعيفاً !!! أريد أن أشتاق دون أن أقول!!!
أريد أن أُنتظر دون أن أقترب!!!
(الأنانية) في (الوجدان السوداني) ليست قسوة … بل هروب نحن شعب تعلم أن (يحتمل) لكنه لم يتعلم أن (يُصارح) شعب يُقدس (الكرامة) بمفهوم غريب حتى لو كلفته الحب نفسه!!!!
شعب يحب لكنه يخشى الصراحة !!! فلا هو قاسٍ تماماً و لا هو طيب و حنون … بل بين هذا وذاك و دوماً في منطقة (الاضطراب ).. خوف و حيرة وإحساس (متضخم) بالذات
(يا راجياني) ليست مجرد أغنية حب وشوق وحنين كما طربنا لها واحببناها بل هي مرآة تعكس:-
من يبتعد يطالب بأن ننتظره!!!*
ومن يخطئ ينتظر الغفران قبل الاعتذار!!!*
و من يرحل يلوم الظروف!!!!*
و من يحب يريد أن يُحَب أكثر مما يعطي!!!
و من يتأذى يصمت… لأن العزة تمنعه!!
و كأن النص كله يقول أنا أولًا ثم يأتي الآخر و ان كان (شريك) القصة وبداية الحكاية… ولكن … هل نحن فعلًا بهذا السوء؟؟؟؟
ربما تكون الاجابة لا !!….
و نحن فقط شعب لم يتعلم أن يعترف بحاجته للآخر…
شعب يحتمي بـ(الرجالة) و (العزة) من الانكسار…
شعب يخاف من أن يُظهر هشاشته فيغطيها بثوب (الكرامة) الثقيلة.
ولهذا تصبح (أنانيتنا) ليست طبعاً… بل جرحاً مقيماً.
و (يا راجياني) ليست مجرد أغنية عشق …إنها درس في نفس سودانية خائفة ، تتمنع ، تحن و تهرب و كلما رددنا (ياما الغربة بتتحداني ) تذكرنا أن بعض الغربة في الحقيقة نخلقها نحن بأيدينا غربة داخل نفوسنا اولاً و غربة بيننا وبين الآخر و بيننا وبين من نحب وبيننا وبين من نختلف معه و بيننا و بين الاعتراف والاعتذار و إحقاق الحق و كل ذلك يمكنا اسقاطه علي الوطن (الراجينا و ما ناسينا) حتي وصولنا (للحرابة) وضياع الغلابة و طمع من يعتقدون انهم (صحابة) وصلابة فضاعت المهابة ..و لك الله يا وطني.
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى