الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: الآوبة للبلد الاكذوبة (3-4)

هذه القصة قصة واقعية من مآسي الحرب (السودانية السودانية) من بين الاف القصص الأكثر مأسوية منها للمتابعة نرجو الرجوع لما قبلها أن لم تكن قد مررت عليه عزيزي القارئ الكريم).
(الحرب لا تسرق الأحلام بل تكشف قيمتها الحقيقية)
حين اندلعت الحرب لم يحدث الانهيار دفعة واحدة.. في البداية قيل إنها عابرة و (ازبوع ازبوعين) والأمور طيبة إن شاء الله فالحرب محصورة في الخرطوم وأن الدراسة ستستأنف قريباً و كل شيء سوف يعود كما كان.. الناس بطبعهم لا يصدقون الكارثة فور وقوعها بل يحتاجون وقتاً ليعترفوا بأن حياتهم القديمة انتهت و ربما لن تعود.
بالنسبة للطالبة (ع ع ع) لم تكن الحرب حدثاً سياسياً بقدر ما كانت إيقافاً مفاجئاً للزمن عندها.. توقفت المحاضرات.. أُغلقت الجامعات.. وتهدمت.. ونهبت.. تشتت الطلاب.. وسقطت كل الجداول التي كانت تنظم الحياة.. لكن الأخطر من توقف الدراسة بالمدارس والجامعات هو الصمت الذي تلاها.. لم يكن هناك خطاب واضح من الجامعة.. ولا الحكومة و قادة جيشها المحاصر بالقيادة العامة..
لا خطة بديلة.. ولا صوت سوى صوت الرصاص.
لا مسار معتمد.. لا اعتراف صريح بما ضاع وما يمكن إنقاذه.. فقط بيانات عامة باردة غير معروف من يصدرها.. تصلح لكل شيء ولا تعالج شيئاً.
هنا بدأت (ع ع ع) تشعر لأول مرة أن السنوات الثلاث الماضية لم تكن محمية بشيء.. أنها لم تكن جزءً من منظومة تعليمية قادرة على الدفاع عن طلابها بل مجرد مستهلكة لوعد هش.. لم تعد المسألة متى تعود الدراسة، بل هل ما دُرس قابل للحمل أصلًا؟.
تفرقت الأسر بين نزوح ولجوء وانتظار .. السودان الذي عادوا إليه بإرادتهم لم يعد قادراً حتى على منحهم يقين الخسارة.. الأب الذي كان يؤمن بالعودة بوصفها فضيلة وجد نفسه في مواجهة سؤال لم يُجِب عنه وهو :-
هل كان قرار العودة أخلاقياً أم عاطفياً فقط؟.
أما (ع ع ع) فقد دخلت مرحلة صامتة من المراجعة
لم تكن غاضبة بل مشوشة
الغضب يحتاج إلى خصم واضح لكنها لم تجد سوى (الفراغ العريض) ومؤسسات ذابت عند أول اختبار حقيقي.
بدأت الأسرة تبحث عن حلول خارج السودان لبنتها
تحويل.. معادلة.. قبول.. أي شيء يعيد للطالبة مسارها الطبيعي فعودة الحياة كما كانت اضحى غير محتمل وكل يوم يرون الخراب والدمار والقتل والدماء.. غادروا الى بلد اغترابهم الاول.. و حمدوا الله ان معظم اموالهم هناك.
وهنا بدأ الاصطدام بالواقع العالمي للتعليم ذلك الواقع الذي لا يعترف بالنوايا ولا بالأعذار ولا بالسنوات ما لم تكن موثقة بمحتوى حقيقي.. و بعد ما يقارب السنتين من الركوض خلف ادارة الجامعة ومالكيها المنعمين استطاعوا الحصول على ما يُثبت أنها في العتبة الرابعة بكلية الطب.. لكن المشكلة كلما أُرسلت أوراق (ع ع ع) إلى جهة خارجية عاد السؤال نفسه في صيغ مختلفة:-
أين التدريب العملي؟
أين الساعات السريرية؟
ما هو مستوى المقررات؟
كانت الإجابات ضعيفة .. مراوغة.. وأحياناً صامتة..
وهنا فقط بدأت الطالبة تشك .. لا في الجامعة وحدها.. بل في تعريفها كله لما درسته .. للمرة الأولى فكرت في احتمال أن يكون ما عاشته ليس (تعليماً متعثراً) بل تعليماً (غير مكتملاً) منذ البداية.
الحرب في هذه المرحلة لم تكن سبب الخسارة بل كاشفها الذي سلط الاضواء عليها و كشفت أن الجامعة بلا ظهر.. أن النظام بلا ضمانات.. و أن الحلم الذي احتفى به الجميع لم يكن مؤسساً بما يكفي ليصمد أمام أول اختبار واقعي.. لم تبكِ (ع ع ع) كثيراً.. البكاء كان سيعني أن الخسارة واضحة.. لكنها لم تكن كذلك.. كانت الخسارة غامضة و هذا أقسى..
وحين بدأت ملامح الفرصة الأوروبية تلوح لم تشعر بالفرح الكامل.. كان في داخلها خوف غير معلن
ماذا لو اكتشفت أن الطريق الذي قطعته لم يكن طريقاً أصلاً بل كان وهماً كبيراً؟.
هذا السؤال الذي لم تجرؤ على قوله بصوت عالٍ كان هو العتبة الحقيقية لما سيأتي بعد ذلك.
يتبع؛؛؛

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى