
على هامش العمر، تتقاطع خطوطٌ متوازية، خط الحقيقة الذي يشبه صخرةً لا تهتز، وخط الخيال الذي يلوح مثل غيمةٍ تتشكل وتذوب، وما بينهما، محطاتٌ أشبه بمدنٍ تُشيّد من أنفاس العابرين، لا يملكها أحد، ولا تستقر في يد أحد .
هناك، يولد الاختلاف كملحٍ يذيب الرتابة، يوقظ فينا يقين أن للحياة نكهة لا تُستعار، وأن للحوار ضوءًا يوقي الفكر من العتمة، غير أن الخلاف، إذا اشتعل، يصبح نارًا تأكل جذور الشجرة قبل أن تورق، فإما أن نطفئها بحكمة، أو نتركها رمادًا يتطاير على وجوهنا .
في تلك المحطات، لا نُطالَب سحرة للخيال؛ بل أن نحمل في أيدينا ميزانًا هشًّا، نضع فيه القلب والعقل معًا، أن نختار أوسط الطريق، حيث لا يغرقنا الصخر، ولا تضلنا الغيمة، بل نسير بخطى من يعرف أن وجهته ليست النهاية، بل السير ذاته، فالاختلاف يظل بذرةً للخلق، والخيال يظل ماءً يسقيها، والحقيقة شمسٌ قد تُحرِق إن اقتربنا، أو تمنح الدفء إن أحسنَّا المسافة، وهكذا، تمضي الصفحات العشر من أعمارنا، كعقودٍ تتلوّن، عقدٌ يعلّمنا كيف نختلف فنصنع، وآخر يعلّمنا كيف نتخيل فنحيا
وفي المسافة ذاتها، نتعلّم أن الحقيقة ليست دائمًا صوتًا عاليًا، بل أحيانًا همسٌ يحتاج أُذنًا صبورة، وأنَّ الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل نافذة نفتحها حين تضيق الجدران، هناك نكتشف أنَّ أخطر ما يهدد المعنى ليس الاختلاف، بل اليقين الجامد، وأنَّ الأسئلة، حين تُطرح بمحبة، تصير جسورًا لا متاريس، فكل فكرة لا تحتمل النقاش، تتحول مع الوقت إلى حَجرٍ آخر في طريق الحياة، وكل خيال لا يُمسك بخيط الواقع، يذوب كسرابٍ جميلٍ لا يُروِي، وبين هذا وذاك، نمضي أقلَّ صلابةً وأكثر فهمًا، نخطئ لنتعلم، ونتراجع لنُبصِر، ونعرف أخيرًا أنَّ النُضج ليسَ أن نملك الإجابات، بل أن نُحسِن العيش مع الأسئلة .



