
تبدو الأوطان أحياناً وكأنها كتبت على صفحة الوجدان بالحزن الناعم والوجع المقيم، تماماً كما رسمها شاعر الشعب الراحل هاشم صديق فى قصيدته الباذخة «يا وطن تسلم:
كأنك يا وطن مجبور
على الفجعة
ونقيح الهم
كأنك من عصور
ودهور
مَقَسّم بين وجود
وعَدَم
كأنك راجي
خيل الغيب
وحلمك خَطّ
راسو الشيب
ولسع لا كمل عَشَمك
ولا خاطرك
فَتَر يحلم.
…….
كأنك يا وطن
موعود
تعاند كلُ باب
مسدود
ويهل فجرك
طريق ممدود
وفي الآخر
يعَقْبو ندم
كأنك للجروح
مرهون
ومن ليل رحلتك
مغبون
وفي غار النضم
مسجون
ومحروم بالفعال
تنعم.
……
سألتك يا وطن
إرتاح
فديتك يا وطن
تسلم
قريت في دفترك
شَجَنَك
وذاكرتَ المعاني
حِكَم
مشيت بي قصتك
للريح
وشَدّيت
في مسارب الهم
لقيت حالك
سؤال محتار
وجرحك
من نقيحو نَضَم.
……
تتعلم
تغني غُناك
وفي حلقك
غبار وألم
وتتعلم تبارْك
النار
وكت حلمك
بَرَد وأظلم
وتتعلم تموت
وتعيش
كأنك حاجة
ما بتكمل
ولا بتزيد
ولا بْتنِتم.
هذا المقطع المجتزأ من القصيدة يكشف عمق النظرة الشعرية لهاشم، الذى ظل يمنح الوطن من روحه ما يجعله كائناً حياً، يتألم، يتعلم، ويقاوم.
هذه القصيدة تمثل آخر تعاون غنائي بين هاشم صديق والأسطورة الراحل محمد الأمين، بعد سلسلة أعمال وطنية خالدة شكّلت وجدان شعبٍ بأكمله: «قصة ثورة» أو ما اشتهرت به باسم الملحمة، ثم «أعياد الحصاد»، قبل أن ينتقل الشاعران معاً إلى فضاء الغناء العاطفي فى «كلام للحلوة» و«همس الشوق» و«حروف اسمك». غير أن «يا وطن تسلم» كانت مشروعاً مختلفاً و آخِر لحن يضعه محمد الأمين، فقد بدأ بالفعل فى تلحين مقاطعها الأولى، لكن القدر عاجله قبل إكمال بنائها اللحني.
من هذا المنطلق يبرز مقترح جدير بالتأمل والتقدير: أن يتولى الموسيقار د. يوسف الموصلي إكمال لحن القصيدة. والموصلي ليس مجرد بديل فني، بل هو جزء أصيل من ذاكرة محمد الأمين الموسيقية. فقد جمعتهما محبة خاصة وتاريخ من التعاون، أبرزها مشاركته فى التوزيع الموسيقي لألبوم «سوف يأتي». كما أن الموصلي نفسه ملحن قدير، صاحب بصمة واضحة وأغان ظلت راسخة فى الوجدان، إلى جانب كونه أكاديمياً وعالماً في الموسيقى، يملك من الخيال اللحني والخبرة ما يجعل استكمال هذا العمل مسئولية فنية يستطيع حملها باقتدار ومن المؤكد بأن لحن محمد الأمين به فكرة لحنية مسيطرة فهو يستطيع الأمساك بها ومن ثم البناء عليها.
ولعل استكمال لحن «يا وطن تسلم» لا يمثل مجرد تكريم لروح محمد الأمين وهاشم صديق، بل هو أيضاً إحياء لجسرٍ من الإبداع ظل ممتداً بينهما لسنوات طويلة. ثم إن التقنية الحديثة تتيح اليوم إمكانية تقديم الأغنية بصوت محمد الأمين عبر الذكاء الاصطناعي، بطريقة تحافظ على روح الأداء الأصلية وتمنح الجمهور فرصة سماع ما كان يمكن أن يكتمل لو امتد به العمر قليلاً.
إن هذا المشروع ـ لو تم ـ سيعيد للأغنية السودانية وهجها، وسيهدي الوطن آخر نبضة مشتركة بين شاعر الشعب و الباشكاتب ، فى لحظة يحتاج فيها الناس إلى الفن الذى يرمم الجراح ويوقظ ما تبقى من أحلامهم. يا وطن تسلم ليست قصيدة فحسب إنها وعد مؤجل، وربما آن الأوان ليكتمل.



