الاقتصاد والأعمالالأخبارعام

الأستاذ وليد محمد حسن مدير عام وزارة التربية الوزير المكلف.. قصة نجاح تصنع الأمل في شمال كردفان(الحلقة الاولي)

بقلم: هشام أحمد المصطفى أبو هيام

IMG 20261102 WA0032

وسط كل الأخبار المحزنة التي تأتي من السودان، ووسط كل صور الدمار والحرب والنزوح، هناك قصة نجاح مشرقة تأتي من قلب كردفان، من مدينة الأبيض عروس الرمال، قصة تقول لنا إن السودان لم يمت، وإن التعليم لم يمت، وإن هناك رجالا يعملون في صمت ويصنعون المستقبل رغم أنف الحرب، ويزرعون الأمل في كل بيت وكل مدرسة وكل فصل.

هذه القصة بطلها وزارة التربية والتعليم بولاية شمال كردفان بقيادة الأستاذ وليد محمد حسن مدير عام الوزارة الوزير المكلف، وفريق عمل متكامل من الإدارات والموجهين والمعلمين، وحكومة ولاية واعية تضع التعليم في المقدمة، ومجتمع حي أصيل يساند التعليم بكل ما يملك، ومعلمون أوفياء صابرون ما زالوا يقفون في الفصول رغم كل التحديات.

عندما تزور وزارة التربية بالأبيض اليوم، لا تشعر أنك في ولاية تعيش الحرب وتعاني من آثارها، بل تشعر أنك في خلية نحل، حركة دؤوبة من الصباح إلى المساء، تخطيط واجتماعات ومتابعة للمدارس، مطبعة تعمل ليل نهار، مدارس يتم صيانتها، معلمون جدد يتم تدريبهم، طاقة شمسية تضيء المكاتب، وبئر ماء تحل أزمة المياه. هذه الصورة الإيجابية المشرقة لم تأت صدفة، بل جاءت نتيجة إرادة قوية وعزيمة صادقة وإدارة ناجحة تفكر خارج الصندوق وتعمل بإمكانيات محدودة لكن بأحلام كبيرة.

وهنا لا بد أن نبدأ بالتحية المستحقة للسيد والي ولاية شمال كردفان وحكومة الولاية ووزارة المالية، فلولا دعمهم السخي ومساندتهم القوية لما تحقق أي إنجاز. فالوالي الذي يضع التعليم في قمة أولوياته في زمن الحرب هو والي يفهم أن التعليم هو الأمن القومي الحقيقي، وأن المدرسة المفتوحة هي التي تحمي الشباب من الضياع والانحراف، وأن المعلم الذي يجد راتبه هو الذي يحمي المجتمع من الانهيار. فعندما تدعم حكومة الولاية صيانة المدارس الثانوية وتوافق على تعيين أكثر من ألفي معلم رغم شح الموارد، فهذا يعني أن هناك إرادة سياسية حقيقية تضع التعليم فوق كل الاعتبارات. فتحية للسيد الوالي وتحية لوزارة المالية التي اقتطعت من ميزانيتها المحدودة لدعم التعليم.

ما يبعث على الفخر والاعتزاز في هذه التجربة هو مطبعة الولاية للكتاب المدرسي. تخيلوا معي أن ولاية شمال كردفان أصبحت اليوم تطبع كتابها بيدها وبعرق أبنائها، لا تنتظر الخرطوم ولا بورتسودان ولا أي جهة أخرى. هذا إنجاز سيادي بكل معنى الكلمة، وقرار تحرر حقيقي. فالسودان كله كان يعتمد على مطبعة واحدة في الخرطوم، وعندما قامت الحرب توقفت المطبعة وتوقف الترحيل وأصبح الطالب بلا كتاب. والطالب بلا كتاب كالجندي بلا سلاح. فقررت الوزارة أن تنهي هذه التبعية إلى الأبد وأن تجعل شمال كردفان تكتفي ذاتيا من الكتاب المدرسي. واليوم المطبعة تعمل وتنتج آلاف الكتب لمراحل الأساس والمتوسط والثانوي بجودة عالية وبسرعة كبيرة، وهذا يعني أن العام الدراسي يبدأ والكتاب في يد الطالب من أول يوم، وهذا وحده كفيل برفع المستوى الأكاديمي، لأن المعلم لم يعد يضيع نصف الحصة في كتابة الدرس على السبورة، والطالب لم يعد يعتمد على الملخصات التجارية.

وما يبعث على الفخر أيضا هو صيانة المدارس الثانوية العريقة. مدارسنا العريقة في الأبيض وأم روابة والرهد وبارا وجبرة الشيخ التي كادت أن تنهار بسبب قدم المباني وضغط النزوح وكثرة الاستخدام، عادت اليوم جميلة ونظيفة ومضيئة بفضل دعم حكومة الولاية. فصول متصدعة تم ترميمها، وأسوار منهارة تم بناؤها، وحمامات غير صالحة تم تأهيلها، وإجلاس متهالك تم استبداله، ومياه مقطوعة تم توصيلها. واليوم عندما تدخل مدرسة خور طقت الثانوية أو الأبيض الثانوية بنات أو الأبيض الثانوية بنين، تجد بيئة تربوية جاذبة، فصولا نظيفة، وحمامات صالحة، ومياها متوفرة، وإجلاسا جديدا. وهذه البيئة الجاذبة هي التي ترفع التحصيل الأكاديمي، فالطالب إذا وجد بيئة طاردة سيهرب إلى الشارع، والشارع في زمن الحرب لا يرحم، فيه مخدرات وسلاح وضياع. فصيانة المدارس هي في الحقيقة حماية للأمن القومي وليست مجرد صيانة مبان.

وما يبعث على الفخر وهو الأهم والأكبر هو تعيين أكثر من ألفي معلم ومعلمة. هذا القرار هو قرار الأمل وقرار المستقبل وقرار الحياة. ألفي شاب وشابة من خريجي كليات التربية الذين كانوا يبيعون الماء في السوق عادوا إلى مكانهم الطبيعي في الفصل. ألفي أسرة فتح لها باب رزق حلال في زمن عز فيه الرزق الحلال. مئة وعشرون ألف طالب وجدوا معلمهم بعد أن كانوا يجلسون في الفصل بلا معلم. هذا القرار اتخذته الوزارة في زمن توقفت فيه كل التعيينات في كل السودان، وهذا يدل على شجاعة القيادة وحكمتها وبعد نظرها. فالتعليم لا ينتظر انتهاء الحرب، بل التعليم هو الذي ينهي الحرب بالوعي.

ومن الإنجازات التي تدل على عقلية متقدمة تحسين بيئة العمل داخل الوزارة نفسها عبر ربطها بالطاقة الشمسية وحفر بئر خاصة وتحلية المياه. وهذا يدل على عقلية إدارية تفكر في الاستدامة. فكيف لوزارة أن تطور التعليم وهي نفسها تعمل في الظلام؟ واليوم الوزارة تعمل بالطاقة الشمسية النظيفة المستدامة التي لا تنقطع، ولديها بئر خاصة بها، وهذا ينعكس على سرعة إنجاز معاملات المعلمين والطلاب.

أجمل ما في هذه التجربة الناجحة أن المعلم هو في قلبها وفي مركزها. فالوزارة لم تقل المباني أهم، ولم تقل الكتب أهم، بل قالت بصوت واضح ومسموع: المعلم أولوية قصوى، ومحور المعلم والعاملين هو الذي يحتاج إلى مزيد من الدعم. وهذه الجملة ليست شعارا للاستهلاك الإعلامي، بل هي واقع يلمسه المعلم كل يوم. فالوزارة فتحت بابها للمعلمين، واستمعت إلى شكاواهم، ونزلت إلى مدارسهم الطرفية، وجلست معهم على الأرض، وأعلنت عن صرف متأخرات شهرين وبدل لبس وبدل وجبة، واعترفت بشجاعة أن ما تم لا يكفي وأن المعلم يحتاج إلى المزيد. وهذه الشفافية هي التي تجعل المعلم يثق في وزارته.

المعلم في شمال كردفان اليوم يشعر أن هناك من يقف معه، من يحس بمعاناته، من يقدر جهده، من يعرف أنه يذهب إلى المدرسة وهو لا يملك حق المواصلات، وأنه يدرس وهو يفكر في إيجار البيت وديون البقالة. وهذا الشعور وحده كفيل بأن يجعله يبدع ويعطي أكثر، لأن التقدير المعنوي أحيانا أهم من التقدير المادي.

ما يحدث في شمال كردفان اليوم هو لوحة وطنية رائعة ومتكاملة من التكامل بين الدولة والمجتمع والمعلم، لوحة تستحق أن تدرس وتعمم على كل ولايات السودان.

الدولة ممثلة في السيد الوالي وحكومة الولاية التي دعمت التعليم بكل قوة وبكل سخاء رغم شح الموارد، ووزارة المالية التي وفرت الميزانيات رغم أن الخزينة خاوية، ووزارة التربية التي خططت ونفذت وتابعت بكل إخلاص وتفان.

والمجتمع ممثلا في الجهد الشعبي الخلاق والأصيل الذي يستحق كل الإشادة والتقدير، وعلى رأسه مبادرة أهل كردفان لدعم التعليم والصحة برئاسة الأستاذ إدريس الجاك حمد وكوكبة من المعلمين الخبراء من خيار أبناء كردفان مثل الأستاذ محمد إبراهيم والدكتور الهادي محمد عبد الرحمن والأستاذة دهبّة محمود وآخرين. هذه المبادرة ضربت أروع الأمثلة في الوطنية والانتماء، فجمعت التبرعات من حر مالها ومن أبناء كردفان في الداخل والخارج في الخليج وأوروبا وأمريكا، وقالت نحن سند للوزارة ونعمل تحت مظلتها ووفق خطتها ووفق مصفوفة احتياجاتها، وجعلت دعم المعلم أولويتها القصوى. فتحية لهذه المبادرة الوطنية الخالصة ولكل المبادرات الأخرى التي ساندت التعليم في صمت.

وهناك جنود مجهولون يستحقون التحية والتقدير، مدير التخطيط التربوي الأستاذ إبراهيم محمود الذي يعمل ليل نهار لإعداد مصفوفة الاحتياجات العاجلة بكل شفافية وأمانة، ومديرو المراحل التعليمية ومسؤول المنظمات بالوزارة وكل العاملين الذين يعملون كخلية نحل في صمت بعيدا عن الأضواء والكاميرات.

وهناك أيضا الإدارة الأهلية بشمال كردفان، العمد والمشايخ والنظار الذين فتحوا دورهم وقلوبهم لدعم المدارس، والاتحاد العام للمرأة، ومنظمات المجتمع المدني، والخيرون من أبناء كردفان.

هذه اللوحة تقول لنا إن السودانيين عندما يتحدون يصنعون المعجزات، وأن التعليم عندما يكون قضية مجتمع كامل فإنه ينتصر على الحرب وينتصر على الدمار وينتصر على اليأس.

إننا اليوم أمام تجربة إيجابية مشرقة يجب أن ننشرها وأن نحتفي بها وأن نفتخر بها، تجربة تقول إن الإرادة أقوى من الحرب، وإن القلم أقوى من البندقية، وإن الكتاب أقوى من الرصاص، وإن المعلم هو البطل الحقيقي في هذه المعركة.

شكرا لوزارة التربية والتعليم بشمال كردفان بكل إداراتها، شكرا للسيد الوالي وحكومة الولاية، شكرا لوزارة المالية وكل داعمي التعليم، شكرا لمبادرة أهل كردفان وكل المبادرات الشعبية والخيرين، شكرا لكل معلم صابر صامد ما زال يقف في الفصل، شكرا لكل أب وأم وتاجر ومغترب دعم التعليم بوجبة أو بكتاب أو بإجلاس أو بمرتب.

شمال كردفان اليوم تقدم للسودان كله درسا إيجابيا بليغا في كيف نحافظ على التعليم في زمن الحرب، وكيف نجعل المعلم أولوية قصوى، وكيف نصنع الأمل من رحم المعاناة، وكيف نحول المحنة إلى منحة. والقادم أجمل بإذن الله، فما دام في كردفان مثل هذه القيادة الواعية ومثل هذا المجتمع الحي ومثل هؤلاء المعلمين الأوفياء، فإن التعليم بخير، ومستقبل أبنائنا بخير، وكردفان بخير، والسودان بخير، والأمل باق لا يموت.
نواصل توثيقنا لاحقا

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى