الرأي والتحليل

الدكتور مزمل أحمد محمد الصافي.. نموذج الإدارة النزيهة والرشيقة في مستشفى الأبيض

بقلم: هشام أحمد المصطفى أبو هيام

IMG 20261006 WA0037

 

في زمن كثرت فيه الشكاوى من تدهور الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على العلاج وارتفاع التكاليف وهجرة الكوادر، تبرز في ولاية شمال كردفان وتحديدا في مدينة الأبيض تجربة إدارية وطنية مشرفة تستحق أن تروى وأن تكون قدوة لكل المستشفيات في السودان. تجربة يقودها رجل جمع بين علم الطب وحكمة الإدارة ونزاهة اليد وبياض القلب، هو الدكتور مزمل أحمد محمد الصافي المدير العام لمستشفى الأبيض.

 

الدكتور مزمل ليس مجرد مدير عام يجلس في مكتبه يوقع الأوراق ويصدر التوجيهات، بل هو طبيب يمارس المهنة بإنسانية عالية وإداري يعمل بروح الفريق وقائد ميداني يتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه من بوابة المستشفى حتى عنابر المرضى. منذ أن تولى إدارة المستشفى في ظروف بالغة التعقيد، ظروف حرب ونزوح وضغط كبير على الخدمات الصحية ونقص في الدواء والكوادر، استطاع أن يحول المستشفى من مرفق يعاني من التكدس ونقص الخدمات إلى مستشفى نموذجي يقدم خدمات طبية وصحية متكاملة يشهد بها القاصي والداني.

 

أول ما بدأ به الدكتور مزمل هو إعادة ترتيب البيت الداخلي للمستشفى. بدأ بمراجعة شاملة لكل الأقسام والوحدات، قسم الطوارئ والحوادث، قسم الباطنية، قسم الجراحة، قسم النساء والتوليد، قسم الأطفال، قسم العناية المكثفة، قسم الكلى، قسم المعمل وبنك الدم، وقسم الأشعة والصيدلية. وقف بنفسه على كل النواقص والمشاكل، ووضع خطة إسعافية عاجلة وخطة استراتيجية طويلة المدى للنهوض بالمستشفى.

 

في جانب تقديم الخدمات الطبية والصحية، شهد مستشفى الأبيض في عهد الدكتور مزمل طفرة حقيقية لم يشهدها من قبل. تم تفعيل العمل بنظام الطوارئ على مدار الأربع والعشرين ساعة بتواجد أطباء مقيمين وأخصائيين مناوبين في كل التخصصات، وأصبحت الحوادث تستقبل كل الحالات الحرجة من داخل مدينة الأبيض ومن كل محليات الولاية المختلفة ومن الولايات المجاورة التي تأثرت بالحرب، وتقدم لها الخدمة مجانا في كثير من الحالات الطارئة. كما تم توسيع قسم العناية المكثفة وزيادة عدد الأسرة وتوفير أجهزة تنفس صناعي وأجهزة مراقبة قلبية حديثة، مما ساهم في إنقاذ حياة المئات من المرضى الذين كانوا يفقدون حياتهم بسبب عدم وجود أسرة عناية.

 

كما شهد قسم العمليات الجراحية نهضة كبيرة، حيث تمت صيانة غرف العمليات وتزويدها بأجهزة تخدير حديثة وأجهزة تعقيم متطورة، وأصبحت تجرى في المستشفى عمليات كبيرة ومعقدة كانت تحول في السابق إلى الخرطوم، مثل عمليات العظام والمخ والأعصاب والمسالك البولية وجراحة الأطفال. وهذا وفر على المواطن مشقة السفر وتكاليف العلاج الباهظة في العاصمة، وأصبح المريض يجد الخدمة المتميزة في مكانه وبين أهله.

 

ولم يغفل الدكتور مزمل جانب الرعاية الأولية والوقاية، فاهتم بنظافة المستشفى وتعقيمها بشكل يومي، ووفر شركة نظافة ملتزمة تعمل على مدار الساعة، واهتم بدورات المياه والكهرباء والمياه وتوفير مولدات احتياطية تعمل تلقائيا عند انقطاع التيار، مما جعل بيئة المستشفى بيئة صحية تليق بالمرضى وذويهم.

 

أما في جانب توفير الدواء والمستهلكات الطبية، فقد بذل الدكتور مزمل مجهودات كبيرة ومقدرة. طرق كل الأبواب، تواصل مع وزارة الصحة الاتحادية ووزارة الصحة الولائية ومع المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية واليونيسف وأطباء بلا حدود، ومع ديوان الزكاة والتأمين الصحي والخيرين من أبناء الولاية في الداخل والخارج. استطاع أن يوفر كميات كبيرة من الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الطوارئ والمحاليل الوريدية ومستهلكات العمليات وأكياس الدم، وأنشأ صيدلية طوارئ تعمل طوال اليوم لتوفير الدواء للمرضى بأسعار رمزية أو مجانا للفقراء والمساكين. كما فعل نظاما دقيقا لمراقبة صرف الدواء ومنع تسريبه حفاظا على المال العام وحقوق المرضى.

 

إن الدور الأكبر الذي قام به الدكتور مزمل هو دوره في النهوض بالمستشفى من مستشفى تقليدي يقدم خدمات محدودة إلى مستشفى مرجعي يقدم خدمات تخصصية متقدمة. فقد وضع رؤية واضحة هي أن يكون مستشفى الأبيض هو المستشفى الأول في كردفان الكبرى والقبلة العلاجية لكل أهل الإقليم. ومن أجل تحقيق هذه الرؤية عمل على استقطاب كبار الأخصائيين والاستشاريين في كل التخصصات، ووفر لهم بيئة عمل محفزة وسكنا مريحا وحوافز مجزية، حتى أصبح المستشفى يضم نخبة متميزة من الأطباء في القلب والمخ والأعصاب والكلى والباطنية والجراحة والنساء والتوليد، مما رفع من مستوى التشخيص والعلاج وقلل من نسبة التحويلات إلى خارج الولاية.

 

كما اهتم بالبنية التحتية، فقام بصيانة العنابر وتوفير أسرة جديدة ومراتب وملاءات نظيفة، وتوفير مراوح ومكيفات في عنابر المرضى، وصيانة شبكة الصرف الصحي والمياه، وإنشاء مظلات لذوي المرضى تقيهم حر الشمس، وإنشاء كافتيريا نظيفة تقدم وجبات بأسعار مناسبة، وكل هذه الأشياء رغم بساطتها إلا أنها ترفع من معنويات المريض وتشعره بأن هناك من يهتم به.

 

أما المحور الأهم في تجربة الدكتور مزمل فهو اهتمامه الكبير بالكوادر الطبية والصحية، لأنه يؤمن بأن الطبيب والممرض والتقني والعامل هم عماد المستشفى. إذا كانوا مرتاحين ومحفزين قدموا خدمة ممتازة، وإذا كانوا محبطين فشلت كل الخطط.

 

لذلك أولى اهتماما خاصا بالكوادر، فقام بتحسين بيئة العمل وتوفير غرف مناوبة مريحة للأطباء والممرضين، وتوفير وجبات أثناء المناوبات الليلية، وصرف الحوافز والمكافآت في وقتها دون تأخير، وتكريم المتميزين منهم بشكل دوري. كما اهتم بالتدريب المستمر فأنشأ قاعة للتدريب داخل المستشفى وأصبحت تقام فيها المحاضرات العلمية والورش التدريبية بشكل أسبوعي، يستضيف فيها كبار الاستشاريين من داخل وخارج الولاية لتدريب شباب الأطباء والممرضين على أحدث طرق التشخيص والعلاج والتمريض، وشجع الأطباء على البحث العلمي والمشاركة في المؤتمرات الداخلية والخارجية. وهذا خلق روحا تنافسية إيجابية وسط الكوادر وجعلهم يبذلون أقصى ما عندهم لخدمة المرضى.

 

وكان قريبا جدا من كل العاملين، بابه مفتوح للجميع، يستمع لشكاوى الممرض والعامل قبل الطبيب، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، يزور المريض منهم إذا مرض، ويواسيه إذا فقد عزيزا. وهذا القرب الإنساني جعله محبوبا بين الجميع، فأصبح الكل يعمل في المستشفى كأسرة واحدة هدفها واحد وهو خدمة المريض.

 

أما علاقاته الجيدة والمتميزة بمجتمع الولاية فهي قصة نجاح أخرى تضاف إلى سجله الناصع، فالدكتور مزمل لم يحصر نفسه داخل أسوار المستشفى، بل انفتح على المجتمع بكل مكوناته، الإدارة الأهلية ورجال الدين والشباب والمرأة والطرق الصوفية والخريجين والتجار والخيرين، وكون مجلسا استشاريا مجتمعيا للمستشفى يضم كل هذه الفئات. وأصبح هذا المجلس هو السند الحقيقي للمستشفى في توفير الدعم الشعبي والمادي والمعنوي. فعندما يحتاج المستشفى إلى صيانة أو دواء أو دعم لفقير، يهب أبناء الأبيض من كل مكان لدعم مستشفاهم لأنهم يثقون في الإدارة التي تديره ويثقون في نزاهتها.

 

كما كان له دور كبير في حملات التوعية الصحية في الأحياء والمساجد والأسواق، حيث كان يخرج بنفسه مع فريق من الأطباء لتوعية المواطنين بأمراض الخريف والكوليرا والملاريا وأهمية النظافة والتطعيم، مما ساهم في تقليل انتشار الأمراض في الولاية.

 

وقد عرف عن الدكتور مزمل النزاهة والشفافية في إدارة المال العام، فكل جنيه يدخل المستشفى من رسوم أو دعم أو تبرعات يصرف في مكانه الصحيح وبإيصالات مالية واضحة، ولا يوجد فساد ولا محسوبية ولا تمييز بين مريض وآخر، الغني والفقير سواسية في تلقي العلاج، وهذا ما جعل كل المنظمات والخيرين يثقون فيه ويدعمون المستشفى بسخاء لأنهم يعلمون أن دعمهم يصل إلى مستحقيه.

 

إن ما يقوم به الدكتور مزمل أحمد محمد الصافي في مستشفى الأبيض هو عمل وطني كبير يستحق الإشادة والتقدير، فهو يعمل في ظروف استثنائية صعبة، ضغط كبير للمرضى ونقص في الإمكانيات وظروف أمنية معقدة، ورغم ذلك لم يهرب ولم يترك موقعه، بل صمد وثبت وقدم نموذجا للإدارة النزيهة والرشيقة التي تعمل بأقل الإمكانيات لتحقيق أكبر الإنجازات.

 

وفي الختام نقدم صوت شكر وتقدير وعرفان للدكتور مزمل أحمد محمد الصافي المدير العام لمستشفى الأبيض على كل ما ظل يقوم به من مجهودات كبيرة ومقدرة في تقديم الخدمات الطبية والصحية لأهلنا في شمال كردفان ولكل الوافدين إليها. نشكره على نهوضه بالمستشفى وتطويره، ونشكره على اهتمامه بالكوادر الطبية والصحية وتحفيزها، ونشكره على علاقاته الطيبة والمتميزة بمجتمع الولاية التي جعلت المستشفى مستشفى الشعب كله. نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء وأن يوفقه ويسدد خطاه وأن يجعل ما يقوم به في ميزان حسناته، وأن يحفظ مستشفى الأبيض ليظل منارة للطب والإنسانية في السودان.

المسار نيوز

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى