الرأي والتحليل

حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: مرة تغلبني الكتابة

شاكر ومقدر جدا لكل الأصدقاء (صديقات واصدقاء) الذين افتقدوا مقالات حاطب ليل الراتبة في الأيام القليلة الماضية.. فاحداهن صديقة ودفعة وحاجة مكركبة ذي حالتي… كتبت لي مشفقة فكتبت لها (انا ما قايل حلوين ذي ديل بفقدوني)… فردت بالقول أكان كده غيب تعال طوالي… عشان نفقدك وتكتب مثل هذا الكلام الذي يرفع المعنويات…
أحدهم قال لي مصر كملت فهمك فغلبتك الكتابة…. قلت له بالعكس تماما مصر هي التي اخرجتني من صيامي عن الكتابة… والمواضيع السودانية والسوداناوية فيها على قفا من يشيل… ولكن الحكاية نفسيات..
سقوط الفاشر والجرائم المروعة فيها والتي ايقظت البشرية على أفعال (الاشاوس ) واكدت ان ما يحدث في السودان ليست حربا بالمعنى المعروف للحرب… إنما هي عدوانا على مدنيين عزل أبرياء لا يعرفون كوع الكلاش من بوع الدوشكا… ما حدث في الفاشر حدث مثله واسوأ من في شمال الجزيرة.. وربما في مناطق أخرى من السودان… قلت شمال الجزيرة ليس لأنني شاهد عيان بل لاني كنت في قلب العدوان… اديكم مثل…لمنطقة صغيرة جدا من شمال الجزيرة… قري السريحة وازرق وودلميد واللعوتة كلها تقع على خط مواصلات واحد لايتجاوز طوله العشرين كيلومترا…يبدأ من التي جنوبا ويصل السريحة شمالا.. السريحة هجموا عليها بسلاح فتاك فقتلوا ٤٢٦ شخصا في ظرف ساعتين غير الذين ماتوا فيما بعد بسسب تداعيات العدوان…. ثم هجموا على ازرق فاخذت نصيبها من الموت فنزح سكان القريتين جنوبا الي عديد البشاقرة وودلميد والتكينة.. فجاءوا الي ودلميد وامروا السكان باخلائها (بس كده) مع تفتيش دقيق عند المخرج الوحيد المتجه الي اللعوتة…. فجاء سكان وودلميد ومن نزحوا إليهم من السريحة وازرق الي اللعوتة بعد منتصف الليل .. وبعد أربعة أيام تحديدا في ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤ هجموا بمتحرك كامل على اللعوتة… ففي ظرف ساعتين خرج منها قرابة الثلاثين الف نسمة واستشهد فوق العشرين شخصا في الساعة والحين… ثم لحق بهم أكبر من ذلك العدد في عمليات النزوح…. فتقرقوا على القرى المجاورة علما ان كل المنطقة كانت خاضعة للدعامة … فالبنادق مصوبة على الروؤس أينما حل الناس مع ممارسة كل الفظائع المعروفة عنهم… كل هذا حدث في النصف الأول من نوفمبر ٢٠٢٤.. ولكن العالم ما جايب خبر… أو على الأقل أصبح العالم متعاميا عما يحدث الي ان جاءت الفاشر بعد عام… ان ما حدث في الفاشر جاء معضدا لما حدث قبلها في كل الإماكن التي كان الدعامة قد دخلوا فيها…وما أكثرها في السودان الواسع…. لكن الإعلام العالمي انتبه بعد الفاشر … ولا بأس في ذلك فالمهم ان يدرك الناس حقيقة هؤلاء البشر.. وقد يكون ما حدث في دارفور ٢٠٠٣ سببا في انتباهة العالم… لانه نشأت عليه مؤسسات عالمية مثل Save Darfour اي انقذوا دارفور وغيرها فايقظتها أحداث نوفمبر ٢٠٢٥…
الأمر الذي نبهت اليه في آخر مقال هو أن أحداث عام ٢٠٠٣ والتي كانت من نفس المجموعة ولكنها بقيادة مختلفة وهو موسى هلال ورعاية مختلفة و كفيل مختلف عن أحداث ٢٠٢٥.. فهذا يعني انه اذا لم يتم احتواء العدوان الماثل قد تكون هناك نسخة ثالثة منه برعاية مختلفة وكفالة مختلفة… فقوى الشر العالمية ستظل موجودة ومتربصة… كما أن (الدعتة عتت) فهؤلاء القوم احترفوا القتل عبر البيدقة وأصبح منهجهم ثابتا فينبغي تنبيه العالم لهذا.. وعلى ضرورة قصر شرهم… وليس إنقاذ المنطقة منهم بل انقاذهم من أنفسهم… فيا أيها السادة القضية الان ليست دارفور وحدها ولاحتى السودان وحده بل القضية أكبر من ذلك… لذلك ينبغي أن يكون خطاب السودان للعالم محيطا بالظاهرة… لان إرادة المولى وغفلة أهله جعلته مختبرا لهذة الفاجعة العالمية واللهم لا اعتراض على حكمك…
يوم الجمعة الماضي أصبحت عاديا في غربتي هذة وأثناء تناولي لشاي الصباح مع (شوية كوكيز) وهذة مستلفة من الاستاذ بيجو وشرابه للشاي مع حميدتي.. فتحت الواتساب فوجدت فيه رسالة من سطر واحد (اليوم الذكرى الاولى لمرور عام على اجتياح قريتنا) وكانت من احد رفقاء تلك المأساة… اشهد الله دخلت في حالة لايمكن وصفها… رأيت امامي كل أهوال ذلك اليوم والايام التي تلته.. ولم أفق الا عندما إذن المؤذن لصلاة الجمعة فحمدت الله على نعمة الصلاة.. وتأكدت من أحداث الفاشر قد ايقظت في دواخلي تلك المواجع فمنعتني من الكتابة وحتى هذة اللحظة مازال الذهن متثاقلا عن الكتابة وغيرها… لقد تأكدت فعلا ان (الدخلت فينا ما بتمرق تاني) ومع ذلك نسعى جاهدين لا بعاد الجانب الذاتي في القضية وتغليب الجانب الموضوعي لكي تنتهي هذة المأساة باعجل ما تيسر..
بعد تحرير الجزيرة امضيت فيها قرابة الشهر… وخرجت منها لبورتسودان لاتمام إجراءات الخروج… ومنها إلى السعودية حيث الأماكن المقدسة وأفراد الأسرة الذين عانوا الأمرين من معاناتنا…. ومنها إلى مصر المؤمنة بأهل الله… كتبت كتابا مع بعض الاصفياء لتوثيق ما حدث لشمال الجزيرة… واعددت كتابا عن التعايش السلمي في الجزيرة بعد الحرب الحالية متناولا مسالة(الكنابي) مع تحفظي على كلمة كمبو… وكتبت عدة مقالات طالعها الأصدقاء هنا.. رغم كل هذا تأكدت الان أنني لم اكتب اي شي عن البعد النفسي لهذة المأساة… لم اكتب عن تجربتي الذاتية الا خطفا وفي ثنايا موضوع اخر.. وربما لن اكتب ابدا… فلا اريد توزيع المواجع الذاتية بل نريد التناول الموضوعي بهدف المعالجة والخروج من الوهدة… وبعد ذلك فالياتي اهل الدراما ويصورون ما حدث بوسائلهم المعروفة فنحن نريد التوثيق لكل شي للوقائع والمشاعر والنفسيات حتى لا يتكرر ما حدث… يجب أن نعرف كل شي ويجب الا ننسى اي شي وبعد ذلك فالنعفو ونسامح ونعالج.. فالانتقام لا يبني أمة ولا يقيم دولة… ومع ذلك الدخلت فينا ما بتمرق…
اعتذار للفريق إبراهيم عبود..
☐ لقد تعودت في السنوات الأخيرة ان اكتب في يوم ١٧ نوفمبر عن تجربة الفريق إبراهيم عبود في حكم السودان ما لها وما عليها… لأنه وبما يجري من أحداث نجد أنفسنا في حالة فهم متجدد لأي تجربة مضت فالمهدية مثلا… اعادت أحداث اليوم فهمنا لها… فالتاريخ حلقات متصلة فالماضي ينبه الحاضر بما سيكون عليه المستقبل… فاليوم يا سيادة الفريق وجدتنا في حالة (بطالة) لم تسمح لنا بزيارتك السنوية

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يبدو أن البروف ما زال في حالة صدمة لخبطت عليه الاتجاهات حيث أن قرية التي تقع شمال الشريحة وليس جنوبها حيث يوجد النيل الأزرق. ما تشوف شر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى