الرأي والتحليل

خليل فتحي خليل يكتب: النوبيون في شمال السودان… أهلُ سلامٍ وعِلمٍ وحضارة

في أقصى الشمال السوداني، حيث يعانق النيل صخور الجرانيت وتلوح على ضفّتيه بقايا الحضارات الأولى، تنهض النوبة كواحدة من أعرق ممالك الأرض وأكثرها رسوخاً في الوجدان الإنساني. ليس لأنها حاضنة لآثارٍ شاهقة وملوكٍ عظام فحسب، بل لأنها حافظت على روحٍ فريدة: روح السلام، والعلم، والحضارة، والتواصل الإنساني الرفيع.
منذ آلاف السنين، عرفت النوبة كيف تصوغ هويتها بيدها: صادقة، ناصعة، وممتدة في الزمن كامتداد النيل. مارس النوبيون الزراعة على ضفافه، وشيّدوا الممالك، وصنعوا الملاحم، وكانوا سدّاً منيعاً يحمي السودان من الغزوات ويقدّم للعالم نموذجاً للإنسان الحرّ المتعلّم.
◆ ملوك وملكات سطروا المجد
لم تكن النوبة أرض حضارة فحسب، بل كانت مصنعاً للملوك والملكات الذين أعادوا كتابة التاريخ:
1. الملك بعانخي… القائد الحكيم الذي وحد وادي النيل بالعدل لا بالسيف، وأسس لفكرة الدولة الراسخة.
2. الملك تهراقا… أحد أعظم ملوك البشرية، مدافعٌ شرسٌ عن السودان، وقائدٌ صلبٌ أرهق جيوش الآشوريين وحفر اسمه في الآثار المصرية والسودانية كحامٍ للحدود.
3. الملكة أماني ريناس… المرأة الحديدية التي تصدّت لجيوش الإمبراطورية الرومانية، ودخل مبعوثوها روما مفاوضين من موقع القوة، لا الضعف.
4. الملكة أماني شاخيتو… صاحبة الدور السياسي والعسكري الذي جعل مروي مركزاً للقوة والإدارة في وادي النيل.
◆ مآثر النوبيين… إرثٌ من السلام والقوة
أهل النوبة حملوا السلام في قلوبهم، والقوة في سواعدهم، والاحترام في تعاملهم. ومن أجمل ما ميّزهم:
حماية حدود السودان الشمالية عبر العصور؛ فكانوا الحصن الأول والمدخل الأهم للدولة.
نشر العلم والمعرفة؛ إذ اشتهرت النوبة بمدارسها القديمة ونظامها في تعليم الأطفال والاحتفاء بالمتعلم.
العمارة النوبية؛ بأهرامات البجراوية ومروياتها وأبراجها التي ما زالت شاهدة على هندسة متقدمة سبقت زمانها.
النظام الاجتماعي الراسخ؛ وحدة الأسرة، احترام الكبير، صون الجار، وقيم الكرم والإيثار.
الفنون النوبية؛ موسيقى خالدة، وأناشيد تصنع الدهشة، ورقصات تمزج بين الحنين والفرح.
الهُوية اللغوية المتينة؛ فاللغة النوبية بقيت عصية على الاندثار، شاهدة على شعوب حافظت على جذورها.
◆ النوبيون… قوةٌ في الوجدان السوداني
لم تكن النوبة مجرد مساحة جغرافية؛ كانت وما تزال مصدر اعتزازٍ لكل سوداني. فمنها انطلقت الحضارة التي سبقت فراعنة مصر، ومنها جاء القادة الذين صانوا الحدود، ومنها خرج فنانون وعلماء وأدباء ساهموا في نهضة الوطن المعاصر.
لقد واجه النوبيون موجات الهجرة والنزوح، وتقلّبات السياسة، وأحداث السدود، لكنهم ظلوا ثابتين كجدارٍ من نور، متمسكين بقيم السلم المجتمعي، رافعين راية الثقافة في وجه النسيان.
◆ خاتمة
النوبة ليست ماضياً فقط؛ إنها مستقبلٌ أيضاً.
وحين نتحدث عن أهل الشمال، فإننا نتحدث عن شعبٍ يملك القدرة على إعادة بناء السودان من جديد، مستنداً إلى حضارةٍ عمرها آلاف السنين، وإلى روحٍ لا تعرف إلا النقاء والمحبة والعمل.
فالتحية للنوبيين… أهل العلم، وحراس الحضارة، وصنّاع السلام.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى