
(رسالة إخاء لمجاهد في أرض العمليات)
أعلم أنكم تحت ظلال السيوف الوارفة، رغم السموم والحميم، ولا وقت لديكم لترف فكري أو حديث نظري، ولا مساحة فراغ تشغلونها بالتصفح في القروبات، وأنكم لا تلتفتون لمادح أو قادح، صالح أو طالح؛ فصوت الطلقات هو نغمكم الشجي، و«حيّ على الجهاد» هو النداء المبارك العلي.
ولكن…!
عذراً، سوف أهدي لكم كلمات؛ فهي التي تترجم الدواخل بصدق ووضوح، ولا تضع على وجهها مسوحاً، والعبور لها مسموح.
هذه الكلمات أنقلها لكم، وقد كتبتها من قبل لأخٍ مجاهد كان لقائي معه يشدني إلى عمق الماضي، حيث عنفوان الإخاء الصادق في ربيع عمر الحركة الإسلامية، التي هي ملح المنهج الفكري والتربوي الذي كنا نبشر به، ونتمازج معه، ونسير سوياً في طريق الحياة الصعبة:
(أفمن يمشي مكبّاً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم).
هذا المنهج الواضح الأصيل لا نخشى معه أحداً، ولا نرجو به عطية، ولا نتطلع رزقاً أو دنيا، إنما هو لوجه الله.
كان العمر حينئذٍ بضع سنوات، لكنها مباركات، تقطع الفلوات في أقل خطوات، حيث كان الاندفاع والتعجل والتسرع هو طابعها، رغم الثبات.
وكان الولاء، والإخاء، والصدق، والتزكية، والزهد هو شعارها.
أخي العزيز، لقد شعرت أن صورتك هي نفس الصورة التي انطبعت في وجداني للمسلم القوي الصادق.
نفس تعابير الوجه الصارم، ونحن نستهزئ بحواجز المادة الواهنة، والجاهلية العمياء، والدنيا الكليلة.
نفس الإحساس الحار الدافق، ونحن ننطلق لنبني مشروع إخاء جديداً، صادقاً، فريداً، يترجم الدواخل الإيمانية؛ فينساب الحرف كأنه النسيم العليل أو الماء السلسبيل، فيكون تعبيره أكبر من سننا، وأرقى من جيلنا.
نفس الابتسامة الصادقة الصارمة التي تخرج من الأعماق.
اعلم، أخي العزيز، أن الحياة ليس لها طعم ولا رائحة بغير الإخاء الصادق، والنصرة الخالصة، والجهاد الأكبر. وكما كان جسد آدم طيناً لازباً قبل نفخ الروح الربانية، كذلك الحركة الإسلامية من غير الإخاء ميتة، ليس لها حراك ولا روح.
أخي، تذكّر أن كلماتي هذه هي نزيف حيّ من عروق يسري فيها دم الإخاء والنصرة والجهاد، ونرجو أن تمدّ جسمكم بالحياة والنشاط، وتمدّ نفسكم بالروح والريحان.
أخي، عندما يجد الإنسان أن الحركة الإسلامية تستنسخ أرواحاً زاكية، وقلوباً راضية، وعقولاً واعية، يدرك أن الله يخلق من الشبه أربعين.
نعم، ما زال الدرب طويلاً، ولكننا على ثقة أننا نسير على طريق الحق، وسنصل عما قريب، ولن تصدّنا الحواجز ولا العقبات.
نعم، هنالك جيل عاطل، مسلوب الإرادة، مشلول التفكير، تشابه أربعين في الغناء واللهو والعبث المهين، قد أخلد إلى الأرض والطين.
هؤلاء المساكين سيحاولون إعاقتنا جاهدين، ولكن هيهات… هيهات.
أخي، أفتقدك كثيراً بعد العمر الأول من عنفوان الحركة الإسلامية، ذلك عندما تعطلت منابع الإخاء، وتوقف دفق الماء، وزال الحياء، ورأينا من حولنا قطيعاً ضائعاً، ليس له راعٍ ولا مانع، وهجم عليه ضبع جائع.
اختلطت السياسة بالرئاسة، والدعوة بالدولة، والخيانة بالنصرة، وتعطلت لغة القلوب، وظهرت مصلحة الجيوب، وظهر حزب الشيطان، وتجرأ علينا الجبان.
وللرسالة بقية…
جيش واحد… شعب واحد



