الرأي والتحليل

كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: زينة

الحياة الدنيا حلوة خضرة متعة وزينة واسعة ورحبة ولكنها زائلة خربة ولا تسوي عند الله جناح بعوضة يعطيها لمن يشاء فهي مسرح الإمتحان.
أعدها الله بعناية فائقة تسر الناظرين الأنوار الكاشفة والأزياء الأنيقة والأثاث والمتاع والممثلين (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).
كل ممثل يعرف دوره (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون).
بعض الممثلين عشق دوره وعاش فيه بكل مشاعره حتى ظن أنه حقيقة وليس تمثيل وكلما صفق له الجمهور انتفخ وأصابه الغرور ودخله السرور وتمنى أن لا ينتهي العرض (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون).
فلننظر جميعا إلى خشبة هذا المسرح ونمعن النظر إلى جوقة الممثلين ، أنظروا إلى هذين الرجلين أحدهما خرج في زينته يفوح عطره وتنشرح أساريره يمشي مرحا بكل غرور كأنه يحاول أن يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا.
أعد المسرح حيث ترى بعينك جنتين من أعناب يحفهما النخل وبينهما الزرع الأخضر الجميل وترى الثمار (كلتا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالها نهرا).
وهو في كامل زينته وفي عمق جنته ممسك بيد صاحبه كأنه سائح غريب يرى لأول مرة عجائب الزمان وروعة المكان.
ها هو الآن يريه النهر المتدفق والنخيل المثمر والعنب الممتد والفواكه اليانعة وكل قد حان قطافه.
تقرب لنا الكاميرا وهو ينظر من طرف خفي وجه صاحبه وهو يتلذذ بدوره ويحاول أن يقارن بينه وبينه فيقول بعد الموسيقى التصويرية (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا).
هي عبارة أهل الغفلة الذين يخلدون إلى الأرض تغرهم قصورهم المشيدة وعرباتهم الفارهة وأموالهم الطائلة وحساباتهم الجارية ومصانعهم العاملة وهم يرون عمالهم وخدمهم لا يكادون يجدون شيئا.
نعود إلى خشبة المسرح وهذا المغرور يطأ أرضه الخضراء ويشتم رائحة الدعاش ويستمع إلى موسيقى الماء يلامس بيده الملساء الثمار وهي مدلاه وهو يقول في ثقة عمياء (ما أظن أن تبيد هذه ابدا) ظن المسكين من صمت صاحبه وتماسكه وعدم رهبته أنه يحسده ويتمنى زوال نعمته.
ولكنه لم يلمس في صاحبه نظرة حسد فادرك أن صاحبه ينظر إلى الدار الآخرة فبحث عما يغيظه فقال (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا).
وهذا ما تراه اليوم من أهل الغفلة الذين يظنون إنهم قد ملكوا الدنيا والآخرة معا – هذا إذا كانت هنالك آخرة – كما يقولون.
المؤمن الواثق يعلم مثل هذه التراهات من أهل الغفلة الفواحش والمنكرات ويظنون أنهم من طينة أخرى ونطفة مباركة فيقول لصاحبه بهدوء المنطق وقوة الحق (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا).
نسمع صوت الموسيقى التصويرية (لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا) لن تغرني هذه الجنات والثمرات فأنا في صحة وعافية وستر.
أما جنتيك فهما قطعا إلى زوال فإذا بالرجل على خشبة المسرح يضحك ولكن (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها).
فإذا الستار يغطي خشبة المسرح وإذا بالممثل يرى أنه فقير مثل صاحبه وقد أنتهى دوره.
يا أهل الغفلة لا تغرنكم زينة الحياة الدنيا وليكن نعم المال الصالح عند الرجل الصالح.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى