
(في وجودي أريدك وغيابي)
هذه المقالات بأي شكل من الأشكال بها تأملات حول الهوية والانتماء والارتماء والاحتماء بأرض الوطن و ترابه وليس هناك خلاف على ذلك اختلفت أو اتفقت مع المضمون أو رمزيته.
فقد يُفسر حديثنا عن أمر العودة هذه الأيام وفريقيه المناصر و المعارض أو يحور إلى غير المقصود منه و الرامي إليه لكنه لا ينفي بأي حال وطنية الفريقين و انتمائهم لهذه الأرض رغم اختلاف الفكرة فهذه الحرب نفسها حرب (سودانية سودانية)، اتاحت الفرصة للتدخلات الأجنبية والاتهامات المتبادلة و حل معضلات هذه الحرب لا يتم إلا عبر سودانيون عقلاء حكماء يعرفون جيداً أن (السودان للسودانين) باختلاف أديانهم وقبائلهم و سحناتهم وكل تنوعهم الجميل والتسامح والتنازلات من أجل السودان تبقى ضرورة والقواتين والأنظمة تدين والكل أخطأ .
تعتبر الأغاني السودانية مصدرًا غنياً للتعبير عن المشاعر الإنسانية و من بين المواضيع التي تتناولها هذه الأغاني نجد موضوع (العودة والرجوع إلى الوطن) و أبعاد العبارة ورمزياتها و هذا الموضوع يعكس الحنين والشوق إلى الأرض والوطن وناسه وكائناته و حجاره ورماله و غاباته والأنهار و الأجواء والطقوس حتي ما به من قبح نشتاقه ونعمل على تغييره بأيادينا .
و هو غناء يعبر عن مشاعر متعددة تتعلق بالهوية والانتماء وبما اننا نؤمن (أن السودان للسودانين) فيجب أن نعرف مع نهاية هذه الحرب ثم (العودة والرجوع) ما هو السودان من هو السوداني؟.
فالعودة (المجهجهة) لا تجد عندي الترحيب فلابد من تعريف واضح (للسوداني) الإنسان والسودان الوطن وجغرافيته كاملة لأن أمر محبتنا لهذا الوطن محسومة لا تحتاج عودة الأجساد بل روح الوطنية وقد عبّر عن ذلك الراحل سيد خليفة في أغنية رائعة تقول :-
يا وطنى يا بلد
أحبابى
فى (وجودى) أحبك و(غيابى)
فالأمر محسوم أن كنا داخل البلاد أو خارجها فالأهم أن الوطن بدواخلنا مخترقاً للوجدان والدواخل
(أقول بعضي الاقيهو تسرب في مسارب الروح بقي كلي)
أنه شكل محبتنا لهذا الوطن: (سوداني الجوووة وجداني بريدو).
في الأغاني السودانية نجد الشوق للعودة إلى الوطن بعد فترة من الغربة أو الابتعاد لظرف ما مثل ما تمر به بلادنا الآن فهذه الأغاني تعبر عن الألم والحزن الناجم عن الفراق و نتمنى (العودة) إلى الأرض التي ولدنا فيها حيث الجذور والذكريات مفرحها والأليم أنه ارتباط عجيب وكأننا مخلوقون من ترابها والماء.
من خلال هذه الأغاني نستطيع أن نفهم مدى أهمية الوطن في حياة الإنسان السوداني و مدى تأثيره على هويته وانتمائه.
(العودة والرجوع) إلى الوطن ليس مجرد عودة جسدية بل هو عودة روحية و وجدانية تحيا بها الأوطان.
في هذه السلسلة من المقالات سنتناول بعض الأمثلة على الأغاني السودانية التي تتحدث عن العودة والرجوع ونطرح (شروطها) المرضية للجميع لأن كل ما هو مشروط يرجي منه و سوف نحلل المعاني والرموز المستخدمة في هذه الأغاني
تراب أهلي يا ناس تراب أهلي
عراريقم طواقيهم
طواريهم سواقيهم
بنات بلدي يا ناس بنات بلدي
رقيصاتن شبابيلن
طريحاتن مناديلن
سماح ناسن حلات ناسن بلا السكر
طعم قراصة في قدحا من الدبكر
اشوف فيك صورة مابتنشاف
اشم ريحة الكليت والشاف
ورمزية الانثى المعبرة عن الوطن التي مرت بمراحل في الشعر والغناء السوداني حتى صار يرمز للسودان بـــ (عازة) أو(عزة) في وطنيات خليل فرح والرمزية في أغنيته (فلق الصباح).
سنرى كيف تعبر هذه الأغاني عن مشاعر الحنين والشوق وكيف تعكس الهوية والانتماء للوطن في جغرافيته الملونة فنسمع عبد القادر سالم في (مكتول هواك يا كردفان) و عمر احساس في (دارفور بلدنا).
والعمرابي في مدينتي (العيلفون جنة عدن) وآخر في (نسائم عطبرة الحلوات) والكثير الذي لا تسمح به هذه المساحة وتبقى عودتنا لكل تلك المناطق (مشروطة) وهي شروط علينا لا على الوطن الذي كدنا أن نقتله بأيدينا و(هتافنا البغيض) و غباء (البل البل) وكل البلبلة التي أهلكت الوطن.
العودة والرجوع في الأغاني السودانية ليس مجرد موضوع بل هو تعبير عن الهوية والانتماء للوطن ومن خلال هذه الأغاني نستطيع أن نفهم مدى أهمية الوطن في حياة الإنسان ومدى تأثيره على الهوية والانتماء.
وخير ختام لهذا الجزء هو رمزية (الانثى الوطن) في كلمات الشاعر سيف الدين الدسوقي:-
كلماتى يا زمن الأفراح الوردية
عبرت موج البحر لتصل إليك
لتقول أنا مشتاق
لتطل قليلا فى عينيك
ولتحمل عذري في سفري
فانا يا سمراء الصحراء هذا قدري
أنا أعشق انثى عاصمة
تلك المحبوبة أمدرمان
وختام الختام أوقفوا هذه الحرب كي نعود ويعود زمن الأفراح الوردية.



