
ما جرى للغة في السودان ليس حادثاً لغوياً عادياً ولا مجرد تطور طبيعي في الاستعمال اليومي للعبارات بل هو انعكاس مباشر لتحول عميق في الوجدان السوداني فالكلمات بخلاف ما نحب أن نتصور لا تعيش في القواميس بل في دواخل الناس و حين يتغير الناس تحت وطأة القهر و العنف و الخوف تتغير الكلمات حتى لو بقيت حروفها كما هي فمثلاً كلمات مثل (البل والرش) في الذاكرة والوجدان السوداني القديم كانت هذه الألفاظ تنتمي إلى حقل الرقة والطبيعة والنظافة والجمال (رش الزريعة ورش الفجة) وما يتبعها فـ(رش الزريعة) يتحول بعد (اجراءت) وعمليات طويلة ومعقدة الى جمال رمضان السودان في (بل الآبري) الذي (يبل الريق) بعد صيام طويل تخلله (البل و الرش) معاً في نهارات السودان القائظة صور جمالية مرتبطة بالوجدان السوداني و ذكريات (البل و الرش) الجميلة.
البل تماس خفيف و الرش انتشار ناعم و المطر و خيره هو المرجعية الكبرى في حياة اهل السودان وبواديه و لهما في أغنياتنا حضورا كبيرا تغني به فنان كردفان صديق عباس:-
ﻣﻄﺮ ﺍﻟﺮﺷﺎﺵ ﺍﻟﺮشَّ
ﻓﻰ ﺩﺍﺭ ﻛﺮﺩﻓﺎﻥ ﺍﻟﻬشَّ
ﺃﻧﺎ ﻋﻘﻠﻲ ﺭﺍﺡ ﻭﻃشَّ
ﻭﺭاء ﺍﻟﻤﺮﺍﺡ ﺍﻟنشَّ
ﺍﻟﻮﺭﺍو ﺳﺎﻳﺮﺍﺕ ﻧﺎﺱ ﻋـشّة
صورة في منتهى الجمال تصور بوادي غرب السودان وسهوله الخضراء مع الرشاش والدعاش.
و في صورة اخرى من وسط السودان يتغنى أحمد المصطفى:
بل شوقي ورد روحي بعد الألم
النادي خدو ..و الصافي ودو
مد يدو و سلم و ابتسم
بل شوقي ورد روحي بعد الألم
يا همومي غيبي ويا نفسي طيبي
واغنيات (البلال) مع ايقاعات الدلوكة عصية على الحصر .
كان (البل) جسراً وجدانياً حركة حنان بين ألم وشفاء في اغنية (العميد) و في أغنية (صديق عباس) كان (الرش) صوت ماء خير وسقيا ولم (تمطر حصو) وقتها اي (قبل الجنجويد) كانت الكلمات محمولة على موسيقى و زمن أمان يسمح لها أن تكون استعارات جميلة دون خوف من سوء الفهم.
لكن هذه الكلمات نفسها و مع تغيّر السياق الاجتماعي والنفسي فانتقلت من الرقة إلى القسوة صارت (بل) تُقال على هيئة (بل بس) مع لغة جسد قبيحة فتكون جملة قاطعة، مُنهكة و لئيمة لا تحتمل الوصل ولا الحوار .. و صار (القش والرش) الذي كان استعداداً للجمال و طقساً اجتماعياً للحياة و الق (العصاري) يُستدعى في عبارات تهديدية من قبيل (قشوا رشوا ما تجيبوا حي) حيث يتحول الفعل الجمالي إلى إعلان عنف.. الكلمة لم تتغير لكن (المرجعية) تغيرت لأن المجتمع نفسه تغير قسراً.
والأخطر أن هذا التحول لم يقف عند حدود العنف العام بل مر عبر (الجنس) بوصفه منطقة قمع تاريخي في مجتمع يضيق فيه الحديث الصحي عن الجسد والعاطفة ولا يُسمح للحب بأن يُقال دون سخرية أو رقابة.
يعود الجسد في اللغة مشوهاً فتُختطف كلمات محايدة أو جميلة و تتحول (ابقوا لا جوة) وحبابكم عشرة إلى جملة (جوة خالص) مع تعبير جسدي و (البل و الرش) تُعاد تعبئتها بإيحاءات جنسية قسرية لا تعبيراً عن رغبة بل كوسيلة سيطرة و إذلال هنا يفقد (الجنس) بعده الإنساني ويتحول إلى أداة خطابية للعنف و تصبح الكلمة نفسها ملوثة دلالياً حتى في سياقات بريئة. هذا التحول ليس انحرافاً أخلاقياً فردياً بل نتيجة تراكم طويل من الكبت والعنف و انتهاك الجسد في الواقع. خاصة في سياقات الحرب.. و العنف الجنسي حين يصبح خبرة (جماعة) لا يبقى في حدود الفعل بل يتسرب إلى اللغة فيجعل الإشارة إلى الجسد تهديداً و التلميح قهراً والضحك ستاراً للألم.. و مع غياب الأمان تنهار اللغة الوسيطة والخطاب الجميل فتختفي الجمل المتأنية والاستعارات الرقيقة و يحل محلها كلام قصير، حاد و مباشر .. و الرقة تصبح رفاهاً .. و القسوة تتحول إلى لغة (عملية).
وسائل التواصل الاجتماعي عمقت هذا المسار إذ كافأت الصادم والفج و منحت الانتشار للفاحش (الأقسى) لا للارقي (الأجمل) ومع الوقت أُعيد تشكيل الذوق العام بسخف (النظام العام) فبدت اللغة العنيفة طبيعية بينما صارت الرقة موضع سخرية أو اتهام بالانفصال عن الواقع.. و هكذا تراجعت لغة الغناء و المطر الرشاش والاستعارات و تقدمت لغة (الرشاش و الكلاش) و التهديد والاختصار .. و(المجد للبندقية).
ما نسمعه اليوم إذن ليس تحرراً لغوياً و لا جرأة شعبية بل لغة مجتمع مجروح نفسياً وجسدياً.. الكلمات لم تفسد من تلقاء نفسها بل أُجبرت على حمل معانٍ قبيحة لأنها وُضعت في أفواه متعبة وبيئات قاسية.. ذات الحروف التي كانت مواعين للحنان صارت مواعينا للقهر .. الحل لا يكمن في مطاردة الألفاظ أو تجريم الكلمات لأن الرقابة قد تُسكت اللسان لكنها لا تشفي الجرح.
استعادة المعنى الجميل لكلمات مثل (البل والرش) تبدأ من استعادة إنسانية الجسد وشرعية الحب و حق الرقة في الوجود دون اعتذار .. عندها فقط يمكن للكلمة أن تعود إلى حقلها الأول و (مطر الرشاش) و (بل شوقي) و الغناء والوصال لا الإيحاء القسري ولا العنف المستتر.
فاللغة لا تكذب.. هي تقول لنا من نكون و إذا أردنا لغة أقل قسوة فعلينا أولاً أن نصنع حياة أقل عنفاً حياة يمكن أن يُسمع فيها (الرش) فيُتخيل المطر لا الرصاص وتُقال فيها (بل) فتفتح باباً للهمبريب والحبيب لا أن تُغلقه.
وفي الختام لا كلام سوى السلام وهمبريب المحبة و الوئام عندما يكون (البل) لتناول (الابري ) في حوش البلد بعد (القش والرش) و العناقريب مفروشة بملايات المحبة وسلام.
mtalab437@gmail.com



