الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: الدولة في مواجهة مواطنيها.. حظر السفر كسلاحٍ إداري وفضيحة مؤسسية مكتملة الأركان

تتكدس يوميًا أعداد كبيرة من المواطنين على مكاتب السجل المدني والجوازات، بعضهم يحمل حلم السفر للعلاج أو العمل أو لمّ الشمل، قبل أن يصطدم بحقيقة صادمة: اسمه مدرج ضمن قوائم المحظورين من السفر. واقع بات مألوفًا حدّ الاعتياد، لكنه في جوهره ممارسة قاسية، تُصادر حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، وتحوّل الإجراء الإداري إلى عقوبة صامتة لا تخضع لأي معايير واضحة.
المفارقة المؤلمة أن غالبية المحظورين لا يعلمون بسبب الحظر إلا في اللحظة الأخيرة، عند بوابة المغادرة. هناك فقط تبدأ رحلة العذاب الحقيقي، حيث تتشابك الإجراءات وتتعقد المسارات، من السجون إلى النيابات، وقد تنتهي عند جهاز المخابرات العامة بسبب تشابه أسماء، في مشهد عبثي يدفع ثمنه المواطن وحده، وقتًا ومالًا وكرامة.
هذا الواقع لا يكشف مجرد خلل عابر، بل يفضح انهيارًا هيكليًا في منظومة حظر السفر، حيث تغيب الشفافية، ويُدار الملف بعقلية الإخفاء لا الإخطار، وكأن المفاجأة جزء من السياسة العامة. فلا آلية استعلام مسبق، ولا رسالة تنبيه، ولا نافذة قانونية تُمكّن المواطن من معرفة وضعه قبل أن يُجازف بحياته ومستقبله.
من المفترض، بل من البديهي، أن تكون هناك شبكة موحدة تضم جميع الجهات ذات الصلة بحظر السفر، تعمل عبر نافذة واحدة، بقاعدة بيانات محدثة، وإجراءات مختصرة، وسقف زمني واضح. لكن ما يحدث على الأرض هو العكس تمامًا: تداخل صلاحيات، تضارب قرارات، وبيروقراطية تُدار بعقلية العقاب لا الخدمة.
وفي هذا السياق، جاء توجيه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عقب افتتاح مصنع الأوراق الثبوتية ببورتسودان، بعدم حرمان المواطنين من حق امتلاك أوراقهم الثبوتية بسبب إجراءات جنائية في مواجهتهم. تصريح قوي، لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى معلومات دقيقة كشفت حجم الخلل، وأكدت أن ربط الحقوق المدنية بإجراءات لم تُحسم بعد يُعد تجاوزًا خطيرًا للقانون والعدالة.
غير أن هذا التوجيه يضع الإدارة العامة للسجل المدني أمام اختبار حقيقي، لا يحتمل المجاملة أو التسويف، ويُلزمها بتقديم تسهيلات حقيقية، خاصة داخل إدارة الجنايات، التي تحولت بشهادة المواطنين إلى عنق زجاجة، تُدار بإجراءات معقدة وتأخير غير مبرر، دون مساءلة أو محاسبة.
وفي قلب هذا المشهد، تتصاعد الانتقادات الموجهة لهيئة السجل المدني والجوازات بقيادة الفريق شرطة عثمان دينكاوي، حيث يرى كثيرون أنها انشغلت بالحجر والبناء، ونسيت الإنسان ومعاناته. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص المباني، بل في غياب الحلول الجذرية لملف المحظورين من السفر، الذي ظل مفتوحًا بلا معالجة حقيقية، وكأن معاناة المواطنين ليست أولوية.
وتزداد الصورة قتامة حين نعلم أن استمرار هذا الوضع فتح الباب واسعًا أمام الشبهات والوساطات، حيث يُجبر بعض المواطنين على البحث عن طرق ملتوية لفك الحظر، في ضربة موجعة لهيبة الدولة وسيادة القانون. فحين يغيب النظام الواضح، تزدهر الاستثناءات، وحين يُغلق الباب القانوني، تتسلل الفوضى بلا استئذان.
ولا يمكن تجاهل الأثر النفسي العميق لهذا الحظر المفاجئ، خاصة على المرضى وأصحاب الحالات الإنسانية. أن يُمنع مواطن من السفر للعلاج أو للالتحاق بعمله أو أسرته دون إخطار مسبق، هو شكل من أشكال العقاب القاسي، لا يُسجل في الملفات، لكنه يترك جروحًا عميقة في النفوس، ويهدم ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويتعقد المشهد أكثر حين تتحول إجراءات فك الحظر إلى مسار ضبابي بلا سقف زمني، فلا المواطن يعلم متى تنتهي معاناته، ولا الجهة المسؤولة تشعر بضغط الزمن أو المحاسبة. هذا الفراغ الإداري يعكس غياب مؤشرات الأداء، ويؤكد أن الملف يُدار بردود الأفعال لا بسياسات مدروسة.
ومن زاوية أوسع، فإن أزمة حظر السفر ليست سوى انعكاس لفشل أكبر في إدارة البيانات الوطنية، حيث لا تزال مأساة تشابه الأسماء تُدار بعقلية بدائية، رغم أن ربط الحظر بالرقم الوطني وحده كفيل بإنهاء معاناة آلاف الأبرياء الذين يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
وفي سياق متصل، يثور جدل مشروع حول منهجية إطلاق الأسماء على المرافق الشرطية الجديدة. إذ جرت العادة داخل مؤسسة الشرطة على تخليد أسماء الشهداء في المواقع الحيوية، تكريمًا لتضحياتهم، غير أن إطلاق اسم المدير السابق لقوات الشرطة الفريق أول شرطة خالد حسان على المركز الجديد أثار تساؤلات واسعة، خاصة في ظل وجود قيادات شرطية سابقة قدّمت عطاءً أكبر وأثرًا أعمق، ما يستدعي مراجعة معايير التكريم بعيدًا عن الانتقائية والمجاملات.
وفي المقابل، تبرز خطيئة لا تقل خطورة، تتمثل في ضعف حماية المعلومات الحساسة، حيث فشل السودان – حتى في ظل الحرب – في تشديد حفظ الأسرار داخل الأجهزة الأمنية والمخابراتية، لتصبح معلومات خطيرة في متناول الأيدي، وهو خلل يهدد الأمن القومي بصورة مباشرة.
من هنا، تفرض الضرورة اتخاذ إجراءات صارمة، تشمل إخفاء مواقع مصانع الجوازات، ومنع العاملين فيها من استخدام الكاميرات أو التصوير تحت أي ذريعة. فالدولة التي تعجز عن حماية معلوماتها، لا يمكن أن تُقنع مواطنيها بأنها قادرة على حماية حقوقهم.
إن ما يحدث في ملف حظر السفر ليس خطأً إداريًا عابرًا، بل أزمة دولة تُدار بعقلية السيطرة لا الخدمة، والتقييد لا التنظيم. فالسفر ليس منحة، ولا الأوراق الثبوتية امتيازًا، بل حقوق أصيلة، وأي سلطة تصادرها بالإهمال أو التعقيد إنما تُعلن صراحة أو ضمنًا عداءها لمواطنيها.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى