الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: حظر بلا حكم: حين تُدار العدالة بعقلية البلاغ الكيدي وتُعاقَب الكلمة قبل إدانتها

ظلت منصات العدالة السودانية عبر عقود طويلة تتمتع بسمعة ناصعة، وأداء مهني جعلها محل ثقة واحترام، ومضرب مثل في إحقاق الحق، وإنصاف المظلومين، ورد المظالم إلى أهلها دون خوف أو مجاملة.
القضاء السوداني شكّل على الدوام أحد أعمدة الدولة الراسخة، ورمزاً لهيبة القانون، حيث عُرف القاضي السوداني بالنزاهة والشفافية والوضوح في مختلف درجات التقاضي، بعيداً عن العبث والتسييس والانحياز.
غير أن هذه الصورة المضيئة باتت اليوم مهددة بممارسات إجرائية تُفرغ العدالة من محتواها، وتحول بعض أدواتها من وسائل إنصاف إلى أدوات ضغط وعقاب غير معلن.
بحمد الله وتوفيقه، تُوجت المساعي التي بذلتها لرفع الحظر عن الأوراق الثبوتية للذين في مواجهتهم بلاغات جنائية بالنجاح، حيث نُفذت توجيهات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في هذا الشأن.
وبالفعل شرعت في استخراج جواز سفري، كأول جواز يصدر عقب الطفرة التقنية التي أحدثتها هيئة السجل المدني والجوازات، بقيادة الفريق شرطة عثمان محمد الحسن دينكاوي، عبر إدخال بصمة العين والوجه وغيرها من الأنظمة الحديثة.
هذه الخطوات التقنية تمثل إنجازاً مؤسسياً مهماً، وتؤكد أن الإرادة حين تتوفر يمكنها أن تكسر الجمود وتُصلح ما أفسدته السنوات.
إلا أن المفارقة الصادمة أنني، ورغم استخراج الجواز، ما زلت محظوراً من السفر خارج السودان، على خلفية بلاغ نشر “رأي عام” بطرف نيابة المعلوماتية بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة.
هذا التناقض يضع العدالة أمام سؤال كبير: كيف يُمنح المواطن وثيقة السفر الرسمية، بينما يُقيَّد حقه في التنقل دون حكم قضائي نهائي؟
توجهت بالفعل إلى مباني نيابة المعلوماتية ببورتسودان لمتابعة البلاغ المفتوح في مواجهتي، غير أنني لم أتمكن من مقابلة وكيل النيابة المختص بسبب الازدحام الشديد وتكدس المواطنين.
مشهد الازدحام هذا ليس استثناءً، بل يعكس واقعاً يومياً تعيشه نيابة المعلوماتية، ويكشف حجم الضغط الهائل الواقع على هذه المؤسسة العدلية.
لا شك أن نيابة المعلوماتية تُعد من أكثر النيابات ضغطاً في البلاد، بل ربما النيابة الوحيدة التي تتلقى مئات البلاغات يومياً وعلى مدار الساعة، في ظل الانفجار غير المسبوق في النشر الإلكتروني وتعدد منصاته.
هذا الواقع الاستثنائي يفرض ضرورة اتخاذ خطوات جادة وعملية لتطوير النيابة، من حيث البنية التحتية، وزيادة عدد الكوادر، وتأهيل العاملين بها قانونياً وتقنياً، حتى تستطيع تقديم خدمة عدلية تليق بحجم التحدي.
إن غياب الأرشفة الإلكترونية وسلاسة الإجراءات ينعكس مباشرة على حقوق المتقاضين، ويحوّل العدالة من مسار منصف إلى رحلة مرهقة ومحبطة.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي يبذلها العاملون في النيابة، وهي حقيقة لا يجحدها إلا مكابر، لكن الجهد وحده لا يكفي ما لم يُدعّم بإصلاح مؤسسي حقيقي.
بلاغات النشر والرأي العام ليست كغيرها من البلاغات الجنائية، ولها خصوصية واضحة، لأنها تتعلق بقادة رأي وصناع وعي، لا بمجرمين خطرين أو معتادي إجرام.
التعامل مع الصحفيين والكتاب بعقلية الاشتباه الأمني يُعد انحرافاً خطيراً، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع حرية التعبير، ويقوض ثقة المجتمع في عدالة القانون.
قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009 ما زال سارياً، ورغم الحاجة الملحة لتحديثه ليتماشى مع الإعلام الرقمي، إلا أنه يظل المرجعية القانونية التي يجب احترامها وعدم القفز فوقها بإجراءات استثنائية.
الأخطر من ذلك أن بعض البلاغات تُدار بعقلية الكيد والانتقام، لا بروح القانون، وتُستخدم كوسيلة تخويف لإسكات الأصوات الناقدة.
لا تربطني أي علاقة شخصية بالنائب العام الجديد، لكنني خاطبته برسالة واضحة تطالب بإنزال قادة الرأي منازلهم، والتعامل معهم بما يليق بمكانتهم ودورهم المجتمعي.
هناك جهات باتت متخصصة في فتح البلاغات الكيدية ضد الصحفيين، بهدف إرعابهم وتكميم أفواههم، في مشهد لا يليق بدولة تزعم احترام العدالة.
الأخطر أن تتحول ساحات العدالة إلى منصات لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، وهو ما يهدد جوهر النيابه ويفقدها هيبتها.
استخدام حظر السفر كعقوبة مسبقة، دون حكم قضائي نهائي، يمثل تجاوزاً خطيراً لمبدأ قرينة البراءة، خاصة في قضايا النشر والرأي.
لا بد من تصنيف البلاغات بدقة، وتحديد ما إذا كانت تستوجب حظر السفر من عدمه، بدلاً من سياسة التعميم التي تظلم الأبرياء.
الأضرار المترتبة على حظر السفر جسيمة، وتمس حياة الناس مباشرة، خصوصاً المرضى وأصحاب الالتزامات الإنسانية والمهنية.
مبدأ “لا ضرر ولا ضرار” ليس شعاراً إنشائياً، بل قاعدة أصيلة يجب أن تحكم كل إجراء قانوني وإداري.
ما نحتاجه اليوم ليس خطباً عن سيادة القانون، بل ممارسات تحترم القانون، وتضع العدالة في موضعها الصحيح.
إما عدالة تحمي الحقوق وتصون الحريات، أو إجراءات انتقائية تزرع الشك وتفتح أبواب الفوضى.
وفي معركة الكلمة، لا يجوز أن تُحاكم الآراء بعقوبات صامتة، ولا أن يُعاقَب الصحفي قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى