الرأي والتحليل

مسارات الكلام.. خليل فتحي خليل يكتب: شهادة الاديب ماركيز قبل عقود سودانيين (رجال يحبون الموت)

في إحدى إشاراته الأدبية التي تفيض بالرمز والدلالة، كتب غابرييل غارسيا ماركيز عن السودانيين واصفًا إياهم بعبارة كثيفة المعنى: «رجال يحبون الموت». قد تبدو العبارة للوهلة الأولى صادمة، لكنها في حقيقتها ليست نعيًا للحياة ولا تمجيدًا للفناء، بل شهادة أدبية على معدن نادر من معادن الإنسانية: الاستعداد للتضحية في سبيل الحرية والكرامة، وتقديم الموت في محراب الحياة الكريمة.
ماركيز لم يكن يومًا باحثًا في الأنثروبولوجيا ولا مؤرخًا للشعوب، لكنه كان شاعرًا في نثره، بصيرًا بأعماق الروح البشرية. وحين يصف شعبًا بهذه الصورة الكثيفة، فهو يلتقط جوهره في لحظة خاطفة. السودانيون في عين ماركيز ليسوا مجرد رجال يقابلون الموت، بل عشّاق له حين يكون طريقًا للحياة الأوسع، حين يكون جسرًا بين ذلٍّ مرفوض وعزّةٍ مأمولة.
وليس في التاريخ السوداني ما ينقض هذه الرؤية، بل على العكس، تفيض صفحاته بالشواهد عليها.
حين هبّ الإمام محمد أحمد المهدي وأتباعه لمواجهة الاستعمار البريطاني، كانوا يعلمون أن قوتهم العسكرية محدودة أمام آلة الحرب الحديثة، لكنهم تقدموا بصدور عارية وإيمان صلب، فسقطوا شهداء بالعشرات والمئات، وخلّدوا صورة من أروع صور حب الموت في سبيل أن يحيا الوطن حرًا..
وفي كرري وأم دبيكرات، ارتقى الآلاف وهم يهتفون “الله أكبر”، في ملحمة بدت للغزاة جنونًا، لكنها للسودانيين كانت ذروة الوعي بالكرامة. تلك الدماء التي خضّبت الأرض لم تكن نزيفًا عابرًا، بل كانت بذورًا أنبتت شجرة الاستقلال بعد عقود، وجعلت السودان من أوائل الدول الإفريقية التي تنتزع حريتها.
ومن ثورات الطلاب والعمال والمزارعين ضد الديكتاتوريات، إلى التي واجهت الرصاص بصدور مفتوحة، ظل السودانيون يؤكدون أن الموت في سبيل الحق أهون عندهم من حياةٍ تنكسر فيها الهامات. كم من شاب خرج إلى الشارع مدركًا أن عودته قد تكون ملفوفة بالعلم، وكم من أم زغردت وهي تستقبل جثمان ابنها لأنها تؤمن أن شهادته حياة للأمة كلها… والامثال كثيرة علي عبد اللطيف ورفاقه .
وجيش جرار من الشعب السوداني
هذه الروح، التي التقطها ماركيز في عبارته الموجزة، ليست غريبة عن شعب صاغ تاريخه من الفروسية والشجاعة والصبر. السوداني بطبعه يتقدم حيث يتراجع الآخرون، ويثبت حيث يتزعزع غيره، لأنه لا يرى الموت نهاية، بل بداية لحياة أوسع، حياة تليق بالكرامة التي فُطر عليها.
واليوم، ونحن نشهد حرب الكرامة، تتجدد تلك الصورة بأوضح ملامحها. رأينا بأعيننا رجال السودان يخرجون إلى ساحات القتال لمواجهة المليشيا بقلوب ثابتة، ووجوه لا تعرف الخوف، وصدورٍ مفتوحة للرصاص. كانوا يذودون عن الأرض والعرض والوطن وكأنهم يكررون العبارة ذاتها: «نحب الموت كما تحبون الحياة». لقد رأيت بعيني استبسالهم، وكيف جعلوا من أجساده دروع تحمي الوطن…
وراينا السند الشعبي للجيش السوداني (المقاومات الشعبية) في المقدمة في الخنادق مع الجيش… نعم هم رجال [يحبون الموت] كما قال ماركيز وشهد كل العالم بذلك منذ عقود خلت.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى