
بعد أن خمدت أصوات الرصاص في بعض مناطق السودان، لا تزال تبعات الحرب تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى في الولايات التي لم تكن مسرحًا مباشرًا للقتال. فالأمن بمفهومه الشامل لم يعد مجرد غياب للطلقات، بل هو حضور للثقة، والإستقرار، والإنتماء.
في الولايات التي نصفها بـ”الآمنة”، كولايات الشرق والشمال، يمكننا أن نقول أنها ما عادت آمنة تمامًا، بعد أن أثقلت كاهلها موجات النزوح من مناطق الحروبات . الآلاف من الأسر المهجرة قسرًا حملت معها وجع الفقد، وأمل النجاة، وأسئلة عن المصير، لتهبط على مجتمعات أنهكتها الأزمات الإقتصادية وضعف البنى التحتية، دون إستعداد مسبق لهذا التغيير الديمغرافي المفاجئ.
وهنا تبدأ المفارقة:
كيف نحافظ على الأمن المجتمعي في بيئة جديدة تحكمها الهشاشة، ويصنعها التعدد، ويغيب عنها الحد الأدنى من الدعم الرسمي؟
وكيف نتحدث عن استقرار في ظل انتشار البطالة، تفكك الروابط التقليدية، وتراجع هيبة القانون؟
إن تحقيق الأمن المجتمعي بعد الحرب لا يكون عبر تكديس الجنود في الطرقات، بل يبدأ من الناس أنفسهم. من قدرتهم على إعادة بناء الثقة بينهم، ومن دعم المجتمعات المحلية لتكون جزءًا من الحل، لا ضحية له.
وهنا يبرز دور الشرطة المجتمعية كأحد أهم أدوات تحقيق الأمن الحقيقي، في الوقت الراهن والضمان لتثبيت الإنتصارات التي تحققها قواتنا المسلحة علي مسارح العمليات المختلفة فيما بعد
. فالشرطة المجتمعية ليست جهازًا رقابيًا فحسب، بل هي جسر بين المواطن ومؤسسات الدولة. دورها أن تنزل إلى الشارع، تفهم نبضه، تواكب تحوّلاته، وتشارك في حلّ النزاعات الصغيرة قبل أن تتضخم.
في المرحلة الآنية والقادمة، ينبغي دعم هذا الدور وتطويره، *عبر تدريب* *كوادر شرطية* *متخصصة* *في الحوار المجتمعي*، *إدارة الأزمات*، *والعمل الوقائي مع الشباب* *والنساء*. فالشرطة التي تعرف أهل الحي بأسمائهم، وتستمع لمخاوفهم، وتمتلك حق الإستجابة السريعة في حالة الخطر ،،بالتاكيد ستكون هي الأكثر قدرة على حمايتهم.
انها معركة على جبهتين:
جبهة تستهدف إعادة دمج النازحين في المجتمع الجديد دون تمييز، عبر دعم التعليم، وتوفير فرص العمل، وضمان سبل العيش الكريم.وقد قطعت فيها حكومات الولايات اشواطا منذ بدء الحرب إلي الآن….
وجبهة ثانية تسعى لترميم النسيج الإجتماعي، عبر الحوار، والمصالحة، والإعتراف بالجرح المشترك. وهي الأهم وم يجب العمل عليه فورا… تليها مرحلة
إنتاج سياسات إجتماعية،،، واضحة، ومبادرات شبابية فعالة، ومنظمات مجتمع مدني محلية تستوعب التحدي. نحتاج أيضاً إلى إعلام يزرع الوعي والروح الوطنية ، ودور ديني وتربوي يعيد زرع القيم الجامعة.
مع التأكيد أنه لا يمكن للدولة أن تنجح في كل ذلك دون دعم مؤسسي حقيقي لشرطة قريبة من الناس، تعرف أن الأمن ليس فقط مهمة أمنية، بل مشروع استراتيجي إجتماعي مستمر.
وللأهمية نذكر،،،
مرة أخرى علي أن الحرب القادمة هي معارك سيكون الفيصل فيها هو المجتمع إما أن يتماسك وينهض وتكتمل لوحة الإنتصار الكبير ،،واما أن يتشظي ويندثر
ونقولها بصدق:
إذا لم ننتصر في معركة الأمن المجتمعي، سنخسر كل المعارك المقبلة.
نواصل،،،،،



