
يبدو أن قصة الفريق طه عثمان الحسين لم تُغلق بعد ، بل إن فصولها تزداد إثارة كلما توارت شخصيته في الظل، وعادت إلى المشهد من أبواب خلفية وأجندات خارجية ، فمنذ لحظة إبعاده الغامضة عن السلطة في السودان إبان حكم عمر البشير، ظلّ الرجل يُحرّك المشهد السياسي والأمني من وراء الكواليس ، عبر شبكة معقدة من العلاقات، أبرزها ارتباطه العميق بمحور الإمارات والسعودية، وتحديدًا ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد.
اليوم يعود اسم طه عثمان ليتردد في دهاليز العواصم الإفريقية، حيث كشفت مصادر موثوقة عن تحركات سرية له تهدف إلى عرقلة مساعي السودان لاستعادة عضويته المجمّدة في الاتحاد الإفريقي، عبر تسويق “الحكومة الموازية” التي أعلنتها مليشيا الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وذلك بتنسيق وتمويل مباشر من أبوظبي.
طه عثمان، المولود في 1964، صعد بسرعة في سلم السلطة داخل نظام الإنقاذ. بعد تخرّجه في كلية الآداب بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، التحق بجهاز الأمن، ثم عمل مديرًا لمكاتب كبار المسؤولين، حتى أصبح يدير مكتب رئيس الجمهورية البشير، ويتحكم فعليًا في بوابة السلطة الأولى في البلاد ،، ورغم تحفظات قطاعات من الإسلاميين والمؤسسة العسكرية على دوره، فإن نفوذه تضاعف بعد أن ربطته علاقات شخصية وسياسية مع أمراء الخليج، خاصة في السعودية والإمارات، حيث نال الجنسية السعودية بترتيب خاص، وتم تعيينه لاحقًا مستشارًا لمحمد بن سلمان، ثم لمحمد بن زايد في ملفات السودان وإفريقيا.
لكنّ طه، الذي عُرف بدهائه وقدرته على تنفيذ المهام القذرة دون أن يترك أثرًا، لم يكتفِ بدور المستشار، بل تحوّل إلى منسّق مباشر لأجندة المحور الخليجي في السودان، وخصوصًا مصالح الإمارات، متخذًا من مليشيا الدعم السريع أداة تنفيذية للنفوذ الإقليمي.
في الوقت الذي يسعى فيه السودانيون المنهكون من الحرب لاستعادة الدولة والمؤسسات، يقوم طه عثمان بجولة إفريقية “مريبة” مستخدمًا جواز سفر دبلوماسي من الكونغو الديمقراطية، للترويج لحكومة المليشيا الانقلابية، تحت لافتة “تحالف تأسيس”، وهو الكيان الذي أعلنت من خلاله مليشيا حميدتي حكومتها الموازية من مدينة نيالا، في خرق صريح لوحدة الدولة السودانية وتهديد لاستقرارها.
تأتي هذه التحركات بعد بيان حازم من مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي أدان التدخلات الخارجية في إشارة للإمارات ورفض تشكيل أي حكومة موازية، مرحّبًا بتكليف الدكتور كامل إدريس برئاسة الحكومة الانتقالية باعتبارها خطوة نحو العودة إلى المسار المدني والدستوري.
ومن أبرز محطات طه المثيرة للجدل والتى حولها تدور العديد من علامات الاستفهام المريبة، المشاركة في حرب اليمن فهو من أقنع البشير بالانضمام إلى “عاصفة الحزم” بطلب سعودي إماراتي، ما زجّ بالجنود السودانيين في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ،كما كان هو من قطع العلاقات مع إيران في 2016 حيث أعلنت وكالة الأنباء السعودية قرار الخرطوم بقطع العلاقات مع طهران، قبل أن تصدر الخارجية السودانية أي بيان، في سابقة كشفت حجم التبعية والارتهان للمحور الخليجي، كما جاء العبث بالمؤسسة العسكرية بدعم طه تقوية مليشيا الدعم السريع على حساب الجيش السوداني، وزرع نفوذه داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما مهد لظهور حميدتي كفاعل سياسي وعسكري، يملك مليارات الدولارات، ويتحرك دون رقيب.
أما أخر أفعاله المشينة محاولة تمكين أجندة إماراتية صريحة آخرها هو الجهد الذي يبذله حاليًا للترويج لكيان انفصالي أو موازٍ من بوابة الاتحاد الإفريقي، مدعومًا بامتيازات مالية ووعود سياسية تُقدَّم للعواصم الإفريقية ،، ولا يخفى على أحد أن طه لم يكن يومًا صانع قرار مستقل، بل أداة طيّعة في يد “المحمدين” – محمد بن زايد ومحمد بن سلمان – اللذين استخدماه كمنفّذ لتعليماتهما في الخرطوم، قبل أن يصبح المشغل الفعلي لحميدتي نفسه. إذ تشير مصادر أمنية سابقة إلى أن طه كان يدير مليشيا الدعم السريع كما يُدار فريق عمليات خاص، ويستخدمها كورقة ضغط على الجيش وعلى التحالفات المدنية.
وبينما تتحدث بعض الدوائر الخليجية عن “الحفاظ على الأمن في السودان”، فإن واقع الدعم الإماراتي لهذه المليشيا، وتوفير الملاذات الآمنة لقياداتها، والدفع نحو فرض حكومة انقلابية، يكشف الوجه الحقيقي لهذه السياسة التخريبية التي يمثل طه عثمان رأس حربتها ،، حذارِ من رجل الظلال فتاريخ طه عثمان الحسين ليس سوى انعكاس لصعود نموذج جديد من الفاعلين غير الرسميين الذين يخوضون حروبًا بالوكالة، ويتحكمون بمصائر شعوب عبر علاقات المال والسلاح والتجسس.
إنه ليس مجرد رجل أمن سابق، بل واجهة لأجندات تمزيق السودان وتحويله إلى ساحة صراع بالنيابة، في وقت تتطلع فيه البلاد لفرصة أخيرة للنجاة من الانهيار الكامل، يجب أن يكون وعي السودانيين بهذه الأدوات واضحًا، وأولها طه عثمان الحسين، الذي حوّل خدمة السلطة إلى مشروع شخصي لخدمة الخارج، وباع السودان قطعةً قطعة، مقابل ولاء زائف لعرشي أبوظبي والرياض.


