الأخبار المحليةالرأي والتحليل

نقش على جناح عصفور

✍️/ اسلام على عثمان

من قطن لانكشير الى بستان السودان

مشروع الزيداب الزراعي …. مائة وعشرون عاما من العطاء

على الضفة الغربية لنهر النيل في محلية الدامر بولاية نهر النيل يمتد شريط أخضر بطول 38 كيلومترا من قرية أبو سليم شمالا وحتى العقيدة جنوبا هناك يقف مشروع الزيداب الزراعي شاهدا على أكثر من 120 عاما من الزراعة السودانية

إنه ليس مشروعا عاديا إنه أول مشروع زراعي مروي في السودان والمدرسة الأولى التي تعلم فيها السودانيون زراعة القطن قبل أن تنتقل التجربة إلى مشروع الجزيرة وبقية مشاريع البلاد

بدأت القصة في عام 1898م عندما طرح مستثمر أمريكي فكرة إقامة مشروع زراعي مروي في هذه المنطقة بعد أن أثبتت اختبارات التربة صلاحيتها للزراعة

وبين عامي 1902 و1904م تم تركيب البوابات وشق الترع وكانت البوابات تعمل بالحطب والبخار في مشهد يجسد عزيمة جيل أسس الزراعة الحديثة بأدوات بدائية وإرادة عظيمه

كان الهدف الأساسي للمشروع هو إنتاج القطن لتزويد مصانع لانكشير الإنجليزية في لندن وبالفعل صدرت أول شحنة من قطن الزيداب في عام 1906م ليدخل السودان عبر بوابة الزيداب إلى السوق العالمي

وكان المشروع يعمل آنذاك بالدورة الثلاثية قطن – شتوي – بور، على مساحة كلية بلغت 22,000 فدان حيث كانت مساحة القصاد الواحد 30 فدانا للمزارع و15 فدانا في بعض الأقسام.

كان المشروع يروى من محطة الزيداب الرئيسية ومع تطور التركيبة المحصولية أُنشئت أربع محطات إضافية لدعم المحطة الرئيسية بطاقة كلية بلغت 408 بوصة ليصل مجموع أطوال الترعة والقنوات إلى 162 كلم

وهناك امتداد للمشروع لم يستغل حتى الآن لعدم وجود إمكانيات. أرض جاهزة وماء قريب ومزارعون مستعدون

يضم المشروع اليوم نحو أربعة آلاف مزارع والعدد في ازدياد مستمر بعد تقسيم بعض الحواشات على الورثة

أما التركيبة السكانية فهي لوحة سودانية كاملةتضم كل القبائل في السودان فالزيداب لم تكن مجرد أرض زراعية بل مجتمع متكامل يضم 23 قرية إضافة إلى العرب الرحل

تعاقبت على إدارة المشروع عدة أنظمة فترة الإنجليز حتى 1956م ثم القطاع الخاص حتى 1972م ثم التأميم حتى 1974ثم إدارة الحكومة والمزارعين حتى تاريخه

ومع كل تغيير كان المشروع يصمد ويعيد ترتيب نفسه ويواصل الإنتاج

عندما أُنشئ مشروع الجزيرة في عام 1925م لم يبدأ من فراغ فقد أُخذت الخبرات من مشروع الزيداب من مزارعين وسواقين وبرادين ومهندسين نُقلوا إلى الجزيرة لنقل تجربتهم.

كان للزيداب الفضل الكبير في تعليم أهل الجزيرة ونشر ثقافة الزراعة الحديثة في السودان فمن تعلّم الزراعة على ترع الزيداب وطلمبات البخار هو من علّم الجزيرة كيف تزرع

بعد فترة التأميم ومنذ عام 1974م توقفت زراعة القطن في المشروع وحل محلها زراعة المحاصيل البستانية والأعلاف والمحاصيل النقدية الأخرى

وأصبحت أهم المحاصيل الموالح والمانجو والأعلاف والخضروات والتوابل

ونتيجة للطفرة الزراعية أُدخلت نظم ري حديثة مثل البيوت المحمية والري بالتنقيط والرشاشات على أيدي بعض رواد المزارعين

وبلغت المساحات المزروعة بالبساتين 50% من مساحة المشروع مما جعله بحق بستان ولاية نهر النيل الذي يمد كل ولايات السودان بالموالح

في السنوات الأخيرة عاد بعض مزارعي الزيداب إلى زراعة القطن من جديد واضاف اليه زراعة محصول السمسم وكانت التجربة ناجحة.

عودة لم تكن مجرد حنين للماضي بل كانت قراءة واعية للمستقبل فالمزارع الذي جرب البساتين والخضروات عاد اليوم ليجمع بين الأصالة والحداثة بستان ينتج الموالح والمانجو وحقل ينتج القطن والسمسم.

هذه العودة تعني
أن أرض الزيداب ما زالت بكرا وقادرة على إنتاج القطن بنفس الجودة التي عُرفت بها منذ 1906م
و أن المزارع في الزيداب لم يعد ينتظر التوجيه بل أصبح هو صاحب المبادرة والتجربة

أن السمسم كمحصول نقدي سريع ومطلوب عالميا فتح بابا جديدا للدخل بجانب القطن والبساتين مما يجعل الدورة الزراعية أكثر توازنا وربحا

نجاح تجربة القطن والسمسم يؤكد أن الزيداب قادر على أن يكون مشروعا متكاملا قطن للصادر وسمسم للصادر وموالح وخضروات للسوق المحلي وأعلاف للثروة الحيوانية وهذا هو التنوع الذي يحمي المزارع من تقلبات السوق

مشروع الزيداب اليوم ليس مجرد ذكرى عن قطن كان يُشحن إلى لندن ولا محطة بخار قديمة
إنه مشروع حي ينتج ويطعم ويشغل آلاف الأسر ويمد السودان كله بالموالح ويعود اليوم ليزرع القطن والسمسم من جديد.

إنه مشروع أثبت أن المزارع السوداني إذا وجد الأرض والماء والحد الأدنى من الإمكانيات قادر على أن يصنع المعجزات من البخار إلى التنقيط ومن القطن إلى المانجو ومن المانجو إلى القطن مرة أخرى.

والرسالة التي يبعث بها الزيداب اليوم واضحة هذا المشروع الذي عمره أكثر من 120 عاما والذي علم السودان الزراعة يستحق أن يُستكمل امتداده وأن تصان ترعه وأن تدعم محطاته وأن ينصف مزارعوه

فمن زرع القطن في 1906م وزرع الموالح في 1974م وزرع القطن والسمسم اليوم قادر غدا أن يكون ركيزة للأمن الغذائي في السودان كله .

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى