
من يعتاد الكتابة يجد أن كل ما يمر به يحمل موضوعاً وقضية تحتاج الطرح والنقاش.. بالأمس كنت مدعواً لحفل زفاف و(الدعوة) نفسها (موضوع) طويل إذ لم تكن من أصحاب (الشأن الأصيلين) وتلبيتي للدعوة أيضاً (قضية) تحتاج للنقاش والمداولة.. لكنها تعقيدات حياة أهلي بالسودان والأسر الممتدة وجمال العاطفة والود بين الأهل مما يجعل عدم الدعوة (مشكلة) و عدم تلبيتها (مشكلتين) حيث أن (الداعي) يعتبر نفسه (سيد الدعوة) والمدعو من واجبه التلبية و(عيييك).. المهم (دا ما موضوعنا )…
و لا علاقة له بالعنوان وربما يحتاج لعناوين أخرى وكتابات أوسع …
في السودان (المعلومات) تأتيك بعفوية دون البحث أو السؤال عنها فالونسة عند أهل السودان تكون سيل من المعلومات قد تكون مهمة وحساسة وقد لا تكون.. كما أنها قد لا تهم أطراف (الونسة) و يعتبرونها مجرد (ونسة ساااي)… أما (بس وساااي) فهي قصة أخرى…
العريس من الأهل والقبيلة الممتدة و أعرفه فقد كنا ندرس في ذات الجامعة.. في البداية استغربت وسألت نفسي كيف أنه لم يتزوج حتى الآن (طبعاً ما لي حق!!) لكني (سوداني).. وسالت نفسي (بس)…
عندما ذهبت للمناسبة لم أجد من قدموا لي الدعوة وتفاجأت (بإنفصال) صالة السيدات عن صالة (السادة) وكنت مدعواً من جانب (السيدات) استغربت الأمر لأني أعرف العريس أيام الجامعة كان (يسارياً) ومؤكد أنه ضد أي (إنفصال) لكن يسار هذه الأيام أضحى (غريباً جداً) و قريباً جداً من اليمين في حربه (السودانية السودانية)..عجباً !!!
المهم في صالة الرجال وجدت من أعرف وتسامرت مع أحدهم خارج الصالة و بتلقائية الونسة السودانية التي لا تخلو من البراءة عرفت من محدثي أن العروس كانت زوجة لابن عمه (بي لفة صغيرة) وبذات (اللفة) فان عريس اليوم ابن خالته .. وهذا من ضمن (شربكة) العلاقات السودانية وسماحتها و (دا برضو ما موضوعنا )..
لكن ما دفعني للكتابة هو شيء مختلف تماماً هو جمال العروسين وروحهما الهادئة (رغم أني لم أرهما) بسبب (الانفصال).
العريس أب لثلاثة أبناء، والعروس أم لثلاثة.. أشار محدثي الى احد أبناء العروس وقال إن اخوانه حاضرين في مشهد يلخص فكرة أن الحياة لا تتوقف…
هذا المشهد أعاد إلى ذهني الجدل الضخم الذي شغل السوشيال ميديا حول محاكمة د. الوليد مادبو، وما كتبه عن السفيرة أميرة قرناص.. و كنت قد كتبت معلقاً أن جوهر هذا الجدل كله في تقديري يرجع إلى خلل في فهم (المجتمع) لقضايا (الطلاق والزواج) و إصدار أحكام قاسية على تجارب شخصية لا يحق لأحد التدخل فيها…
وقفز السؤال التالي الى ذهني هل الطلاق نهاية أم بداية؟؟؟
هذه الزيجة تحديداً جسدت المعنى الحقيقي أن الطلاق ليس نهاية للحياة بل قد يكون بداية جديدة أكثر نضجاً و وعياً … (مُطلق ومُطلقة) يبدآن صفحة جديدة وهما يحملان من الخبرة و الدروس ما قد يضمن لهما نجاحاً أكبر من التجربة الأولى…
أتمنى أن أرى مثل هذه الحالات كثيراً، لأنها تبعث رسالة مفادها أن الحياة تستمر، وأن المجتمع بحاجة إلى إعادة ضبط مفاهيمه حول الطلاق، بعيداً عن الوصمة التي التصقت به ظلماً…
و بعيداً عن الحالة اأعلاه نجد أن الحرب (السودانية السودانية) الحالية لعبت دوراً قاسياً في حياة الناس تسببت في ارتفاع حالات الطلاق، ورمّلت سيدات كثيرات، وخلقت أوضاعاً اجتماعية معقدة تحتاج لمعالجات واعية. وما لم يغيّر المجتمع طريقة تعامله مع الطلاق، ويكف عن ازدواجية المعايير التي يتقنها فلن تنجح هذه المعالجات…
هناك أشياء اجتماعية تعتبر كأنها ثوابت مثلاً (البكر لا يزوجنها إلا بكراً والمُطلقة لا يتزوجها إلا مُطلق) ومفاهيم عقيمة لا وجود لها في الدين ولا تعتمد سوى أخطاء مفاهيمية.. والغريب أن السابقين من الأجداد كانوا أكثر وعياً بهذه الأمور بفطرتهم السليمة ..
الإسلام في هديه كان واضحاً الزواج مودة ورحمة، والطلاق رغم مرارته باب لإكمال الطريق دون ظلم ولا قهر لكننا في مجتمع، رغم تدينه الظاهر ، إلا انه يجيد ترجيح (المعيار الذي يناسبه) على أي معيار آخر… حتى لو كان المعيار دينياً أصيلاً.. في (ازدواجية معايرة) أوضح ما تكون…
و أخيراً هناك قضية ربما تكون مؤجلة فيما يتعلق بالاغتصاب والنتائج المدمرة للحرب على النساء و وجوب أن يخلق المجتمع حلولاً مسؤولة لها… فهذه قصة أخرى، تحتاج مساحة مستقلة، وربما مؤلمة، لكنها ضرورية…
23/11/2025
mtalab437@gmail.com



