الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: جريمة اقتصادية صامتة: من الذي يمسح أوسيف من الخارطة؟

في كل لقاء يجمع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، تتردد العبارة التي أصبحت مع الزمن جزءاً من قواميس العلاقات الثنائية: “ملناش غير بعض”. غير أن هذه العبارة، مهما حملت من نوايا طيبة، تبقى في حاجة إلى ما يثبتها عملياً على الأرض، خصوصاً حين تتعلق القضايا بشرايين اقتصادية تمس حياة الناس بشكل مباشر.
لقد ظل السودان يعتمد على المنتجات القادمة من مصر عقب تدمير المصانع والبنى التحتية في الخرطوم والمناطق الصناعية، وهو اعتماد فرضته ظروف الحرب لا ترف الخيارات. فالقاهرة ساهمت بوضوح في سد فجوات حادة في الغذاء والدواء وسلع أساسية أخرى، مما جعل الأسواق السودانية أكثر قدرة على الاحتمال في اللحظة التي انهار فيها الإنتاج المحلي بالكامل.
غير أنّ ما حدث في معبر أوسيف مؤخراً لا يمكن وصفه إلا بأنه تطور مقلق يفتح الباب لأسئلة كثيرة. فالمعبر الذي ظل لسنوات أحد أهم المنافذ التجارية بين البلدين توقف بصورة مفاجئة، وباتت البضائع القادمة من ميناء سفاجا محتجزة هناك لأيام وربما لأسابيع، في الوقت الذي تتدفق فيه الكميات ذاتها عبر معبري أرقين ووادي حلفا بلا أي عوائق تذكر.
هذا التباين الواضح يعكس وجود قرار أو توجه غير معلن، وربما يشير إلى مصالح خفية تسعى إلى تحويل مسار التجارة نحو معابر محددة دون غيرها، بما يتسق مع أهداف اقتصادية أو نفوذ إداري لا يتم التصريح به رسمياً. ومع غياب التوضيح، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا أوسيف تحديداً؟ ولماذا الآن؟
المعبر ليس مجرد نقطة عبور، بل هو اقتصاد كامل. إنه مصدر رزق لآلاف الأسر في ولاية البحر الأحمر، وركيزة أساسية لحركة التجارة المحلية، وعائداته الجمركية تشكل مورداً مهماً للدولة. وبالتالي، فإن تعطيله لا يعني إيقاف حركة شاحنات فحسب، بل يعني ضرب دائرة اقتصادية مترابطة يعيش عليها مجتمع بأكمله.
إضافة إلى ذلك، فإن معبر أوسيف يتمتع بميزة جغرافية وتقنية جعلته منافساً قوياً للمعابر الأخرى. فالقرب من الموانئ، وسرعة الإجراءات، ومرونة الحركة، عوامل أسست لنجاحه خلال السنوات الماضية. وربما هذا النجاح هو ما جعل المعبر هدفاً لمحاولات الإضعاف أو الإقصاء، سواء من جهات داخلية أو خارجية ترغب في إعادة توزيع النفوذ على خارطة الشرق.
الصمت الرسمي حول الأزمة يزيد من تعقيدها. فلا بيانات توضيحية، ولا تصريحات مطمئنة، ولا إجابات مباشرة حول ما يجري. وهذا الغياب في حد ذاته يفتح الباب للتأويلات ويعمّق فقدان الثقة. فالقضايا الاقتصادية التي تمس حياة الناس لا يمكن التعامل معها بسياسة “المسكوت عنه”.
ولعل أخطر ما في المشهد، أنّ العلاقات بين الشعوب لا تُبنى على الشعارات بل على الممارسات اليومية التي يشعر بها المواطن في لقمة عيشه وحركته ومنافعه المباشرة. فإذا تعطّل معبر يهم آلاف السودانيين دون مبرر واضح، فإن ذلك يهز صورة الشراكة بين البلدين، مهما كانت العلاقات الدبلوماسية تبدو متينة على السطح.
هذا الوضع يفرض إعادة تقييم كاملة لإدارة ملف المعابر الحدودية. فهو ملف حساس، سياسي واقتصادي في آن واحد، ولا يحتمل قرارات مزاجية أو تفاهمات غير معلنة. المطلوب هو الشفافية، والمصارحة، وتقديم رواية واضحة للرأي العام بدلاً من ترك الناس رهائن الاحتمالات.
ومهما قيل، تبقى الحقيقة الأساسية أن معبر أوسيف ليس مجرد بوابة تجارية، بل رمز لارتباط شعبين، ولتوازن اقتصادي يحتاجه السودان أكثر من أي وقت مضى. ومهما حاولت الأيدي الخفية إعادة رسم الخارطة وفق مصالحها، سيظل السؤال قائماً حتى تتم الإجابة عليه بصراحة: من الذي يحاول فعلاً مسح أوسيف من الخارطة؟ ولمصلحة من؟ جريمة اقتصادية صامتة: من الذي يمسح أوسيف من الخارطة؟.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى