
للزمن دورٌ أساسي في أي عملية تغيير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، كما تشكّل القناعة ببرنامج التغيير إحدى أهم ضمانات النجاح، حتى وإن تطلّب ذلك زمناً أطول. فالحزب الذي لا يملك قواعد جماهيرية يستحيل أن يصنع التغيير منفرداً، إلا عبر التحالف مع أحزاب أخرى، بحيث تمتلك تلك القوى مجتمعةً قدراً من الكوادر النشطة والمؤهلة التي تمثل نحو 3 – 5% من المجتمع. وبوجود هذه النسبة يمكن لتلك الكوادر تحريك القواعد الجماهيرية المستهدفة، والتي تُقدَّر بحوالي 20% من مجموع السكان.
وتذهب أحدث نظريات التغيير إلى أن الاختراقات الناجحة لا تتحقق إلا عندما يتصدى للحراك الشعبي ما لا يقل عن 20% من المجتمع. وإذا كانت هذه النظرية صحيحة في الظروف العادية، فإن السياقات الانتقالية والاستثنائية ــ مثل الحروب وما في حكمها ــ تتطلب نسباً أعلى من انخراط الجماهير لضمان تحقيق النتائج المرجوّة.
تشير معظم الدراسات إلى أن 7% فقط من السودانيين منخرطون ضمن منظومات المجتمع المدني، بينما لا يتجاوز الذين يحضرون الاجتماعات ويدفعون رسوم الاشتراكات 1 – 3% من تلك النسبة. وللتوضيح، فإن منظومات المجتمع المدني في السودان بيمينها ووسطها ويسارها، تشمل ـــ ولا تقتصر على ـــ الأحزاب السياسية، والتنظيمات الطلابية، والنقابية، والقوات النظامية، والمنظمات الشبابية والنسائية، بما في ذلك الجمعيات التعاونية.
في آخر انتخابات لاختيار نقابة في حجم نقابة المحامين، لم يتجاوز عدد الذين شاركوا في التصويت لاختيار النقيب ومجلس النقابة خمسة آلاف، في حين يبلغ عدد المحامين والمحاميات المقيدين بالسجل نحو خمسين ألفاً. بسبب ضعف المشاركة وعدم اكتراث القواعد بمن سيتولى إدارة شأنهم العام، لم يسبق في أي انتخابات طلابية أو مهنية أو نقابية أن اكتمل النصاب في موعده المحدد، فيُصار عادةً إلى اختيار المجالس التنفيذية في الاجتماع التالي بأي عدد من الحضور.
سواء قبل حرب الخامس عشر من أبريل أو خلالها، لم يسجّل السودانيون، سواء في مناطق النزوح أو دول اللجوء، أي غياب عن مناسباتهم الاجتماعية. في ظل هذا التوهان يبقى السؤال، لأغراض التغيير: هل ستُحدث هذه الحرب تحولاً حقيقياً في إدراك السودانيين لأهمية الانخراط والمشاركة في العمل العام وصياغة مستقبل بلادهم؟ هذا التحدي يبرز إلى جانب أثر غياب التمثيل الحقيقي للسودانيين في إدارة شأنهم العام، باعتباره أحد أهم مداخل نجاح الحوار السوداني – السوداني، الذي يُؤمَل أن تنتهي به هذه الحرب، ونواصل…
الخرطوم 29 نوفمبر 2025



