الرأي والتحليل

*رأي إعلامي**السودان ومفتاح السلام*

أ/شاذلي عبدالسلام محمد 

 

🔹 ليست أزمة السودان مجرد حرب تتبادل فيها الأطراف المواقع والنفوذ، وليست كذلك ملفا دبلوماسيا ينتظر اكتمال التفاهمات بين العواصم المؤثرة. إنها أزمة دولة ومجتمع، تتداخل فيها أسئلة السلطة والشرعية والسلاح والهوية ومستقبل العيش المشترك. وكلما طال أمد الحرب، اتسعت المسافة بين ما يقال في غرف التفاوض وما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه، حيث يصبح الحصول على الغذاء والدواء والأمان مطلبا يتقدم على كل الشعارات السياسية…

 

🔹 في هذا المشهد تتحرك القوى الدولية والإقليمية بمبادرات واتصالات ومواقف تتباين في أهدافها وأدواتها. وقد تفتح هذه التحركات نوافذ للحوار وتساعد على وقف القتال، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاما راسخا إذا لم تجد إرادة سودانية قادرة على تحويل التفاهمات إلى التزامات واضحة. فالمجتمع الدولي يستطيع أن يضغط، والوساطة تستطيع أن تقرّب المسافات، لكن بناء الدولة يحتاج إلى توافق يتجاوز حسابات اللحظة ومصالح الأطراف المتنافسة….

 

🔹 غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بمن يمتلك القدرة على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل بمن يمتلك الاستعداد لتقديم تنازلات تحفظ للبلاد مستقبلها. فالتفاوض ليس غاية في ذاته، كما أن وقف إطلاق النار، على أهميته، لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة. السلام الحقيقي يبدأ حين تتراجع لغة القوة لمصلحة القانون، وحين يصبح الاحتكام إلى المؤسسات بديلا عن الاحتكام إلى السلاح، وحين يشعر المواطن أن الدولة ليست غنيمة يتنازعها المتنافسون، وإنما عقد يحفظ الحقوق وينظم الواجبات….

 

🔹 وفي المقابل لا يمكن اختزال الأزمة في صراع بين قوى مسلحة فحسب فهناك أسئلة مؤجلة تتعلق بطبيعة الحكم وإصلاح المؤسسات والعلاقة بين المركز والأقاليم والعدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق إجراءات قانونية عادلة. وهذه الملفات لا يجوز أن تتحول إلى تفاصيل مؤجلة إلى ما بعد التسوية لأن تجاهل أسباب الصراع قد يمنح البلاد هدنة قصيرة لكنه يترك الأبواب مفتوحة أمام تجدد الأزمة بأسماء وشعارات مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية مشاركة مدنية واسعة ومستقلة، تستمد قوتها من تمثيل مصالح السودانيين لا من قربها من مراكز النفوذ….

 

🔹 إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول معاناة السودانيين إلى ورقة تفاوض وأن يصبح طول أمد الحرب جزءا من حسابات الربح والخسارة لدى بعض الفاعلين. فخلف كل رقم في تقارير النزوح والضحايا أسرة فقدت استقرارها، وخلف كل مدرسة أغلقت أبوابها جيل تتآكل فرصه في التعليم وخلف كل مؤسسة تعطلت مصالح عامة تنتظر من يعيد إليها دورها لذلك ينبغي أن تقاس جدية أي مبادرة بما تحققه على الأرض من حماية للمدنيين، وتيسير للمساعدات الإنسانية، وفتح للمسارات الآمنة، لا بعدد الاجتماعات والبيانات الصادرة عنها….

 

🔹 وفي نهاية المطاف لا يملك مفتاح السلام طرف واحد ولا تستطيع عاصمة خارجية أن تمنح السودان مستقبلا جاهزا المفتاح موزع بين إرادة توقف الحرب وقوى مدنية تتحمل مسؤوليتها الوطنية ومؤسسات تستعيد مهنيتها واستقلالها، ومجتمع إقليمي ودولي يوظف نفوذه لدعم تسوية عادلة لا لتغذية التنافس. ويبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من سؤال: من ينتصر؟ إلى سؤال: كيف ينجو السودان؟ لأن الانتصار الذي يترك الدولة منهكة والمجتمع ممزقا لا يغلق صفحة الحرب، بل قد يكتب مقدمة حرب أخرى….

 

🔹 وربما يحتاج السودان اليوم إلى شجاعة سياسية من نوع مختلف شجاعة الاعتراف بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الدولة لا تستقيم بإقصاء مكوناتها، وأن السلام ليس تنازلا عن الكرامة، بل محاولة لاستعادتها. فالتاريخ لا يقيس قيمة المواقف بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تنقذه من أرواح، وما تحفظه من حقوق، وما تتركه للأجيال من أسباب للحياة. وعندما يصبح الإنسان السوداني هو نقطة البداية والنهاية في أي مشروع سياسي، يمكن عندها أن تتحول مبادرات الخارج من مجرد ضغوط دبلوماسية إلى فرص حقيقية لبناء سلام يستحقه السودان….

 

🔹الي ان نلتقي…

 

*١٠ أكتوبر ٢٠٢٦م*

المسار نيوز

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى