
غادرت مطار بورتسودان (العاصمة الإدارية المؤقتة) لجمهورية السودان ودرجة الحرارة تجاوزت ال40 درجة مئوية متوجها إلى العاصمة الإريتريه أسمرا حيث كانت درجة الحرارة 22 درجة عندما هبطنا في مطار أسمرا الدولي يوم الخميس الموافق الثالث من شهر يوليو 2025.
حلقت بنا طائرة تاركو على ارتفاع 13000 ألف قدم فوق سطح البحر وإمتدت الرحلة حوالى 45 دقيقة من مطار بورتسودان إلى مطار أسمرا.
المقعد رقم واحد في الدرجه الأولى كان مخصصا لي حيث صعدت آخر راكب للطائرة ونزلت أول راكب عبر سلم الطائرة الأمامي.
مدير المراسم الإريتريه بمطار أسمرا الأستاذ عبدالله السادات كان في استقبالي عند سلم الطائره وعبر سيارة المراسم المخصصة لي تم اصطحابي الى صالة كبار الزوار ومن ثم توجهنا الى مقر إقامتي.
فندق سافانا من الفنادق المميزه جدا داخل مدينة أسمرا الساحرة حيث مقر إقامتي في الغرفة 110في السابق كانت إقامتي بفندق أمباسيرا ولكن لبعض التقديرات تمت استضافتي هذه المرة بفندق سافانا الذي يبعد حوالى بضعة أمتار من مقر السفاره السودانية بأسمرا.
للمرة الثالثة أزور أسمرا المرة الأولى كانت في يوليو 2022 و الثانية في يوليو2024والثالثه في يوليو 2025 والملاخظ أن زياراتي كلها في شهر يوليو حيث بداية هطول الأمطار وإعتدال الطقس وباكورة إنتاج فاكهة التين الشوكي المتعارفه محليا باسم (بلس).
السماء ملبدة بالقيوم والسحب السوداء الداكنة المحملة بالأمطار مغطية سماء العاصمة الإريترية الشمس تظهر على (استحياء) وسرعان ما تختفي لتتيح المجال لنزول المطر الهادئ.
وبعد هطول المطر أيا كانت الكمية سرعان ماتتلاشى عن (الأنظار) وكأنها لم تهطل من (قبل) وتبتلعها باطن الأرض من خلال نظام صرف حديث.
عقب وضع حقيبتي ونلت قسطا بسيطا من الراحة بفندق سافانا توجهت إلى مقر السفارة السودانية بأسمرا حيث التقيت بالسفير السوداني بأسمرا السفير أسامة عبد الباري وذلك لأول مرة ولم تربطني به علاقة قديمة بالرغم من أنه نشأ وترعرع في مدينة بورتسودان وتنقل ما بين أحيائها العريقة إبتداء من حي أبو حشيش العريق حيث كان يعمل والده بهيئة السكة الحديد زمن كانت (تهز وترز) وكانت مضرب المثل في الانضباط والضبط والربط في كل شيء درس السفير كل مراحله الدراسية من الروضة وحتى الثانوي ثم انتقل الى دولة الهند وأكمل فيها دراسته الجامعية ومن ثم التحق بوزارة الخارجية وعمل في العديد من الدول منها جنوب السودان وكينيا وغيرها.
أنا إتولدت في مدينة بورتسودان ودرست كل مراحلي التعليمية بها ما عدا الجامعة فكانت في الخرطوم وكانت فرصة طيبة لإجترار الذكريات الجميلة مع السفير مع مراعاة (فارق العمر).
السفارة السودانية بأسمرا تستقبل العديد من السودانين القادمين إليها للعبور الى عواصم الدول العربية وذلك بغرض تكملة إجراءت إقاماتهم في هذه الدول وتسير الإجراءت بكل سلاسه ويسر ولا يوجد ما يعكر صفوهم.
أسمرا تزداد جمالا وألقا وهي تتهيأ لاستقبال حدثا شعبيا كبيرا في شهر أغسطس المقبل حيث انطلاقة مهرجان (إريتريا في القلب) والذي يقيمه الشعب السوداني تكريما للشعب الإريتري لوقفته الصلبة منذ بداية الحرب.
وزارة الإعلام السودانية الراعي الرسمي للمهرجان وذلك بالتنسيق مع جمعية الصداقة السودانية الإريترية بقيادة رئيسها الأستاذ هاشم عبدالله الفكي وأمينها العام الشاب الخلوق (صافي السيرة والسريرة) الأستاذ إدريس محمد سعيد صاحب الجولات الماكوكية من أجل انجاح المشروع ويتم ذلك أيضا بالتنسيق مع منظمة عتاب الثقافية التي بادرت بقيام هذا المهرجان بغرض رد بعض الجميل لأسمرا.
وبعد إقلاع الطائرة مباشرة من مطار بورتسودان بدأت أردد قصيدة (إريتريا يا جارة البحر ويا منارة الجنوب) التي نظمها الشاعر السوداني التجاني حسين دفع السيد حينما كان طالبا في كلية الاقتصاد والدراسات الإجتماعيه بجامعة الخرطوم في السبعينيات مما دفعه إيمانه وإعحابه بالثورة الإريترية حيث قام مع بعض زملاؤه بتأسيس جمعية مناصرة الثورة الإريترية كأول جمعية داخل الجامعات السودانية.
تغنى بهذه القصيدة (إريتريا يا جارة البحر ويا منارة الجنوب) الفنان الإريتري إدريس محمد علي وأصبحت محفوظه في ذاكرة الشعب الإريتري ويتم ترديدها باستمرار في كافة المناسبات الوطنية.
بالرغم من تعلق الشاعر التجاني حسين دفع السيد بمحبوبته إريتريا إلا أنه لم تتاح له الفرصة حتى الآن لرؤيتها ومعانقتها حتى يترجم هذا (العشق) إلى واقعا ولكن المهرجان القادم إن شاء الله سيكون موعدا للقاء ويا له من (لقاء).
الشاعر السوداني التجاني حسين دفع السيد يشغل الآن منصب الأمين العام لاتحاد المصارف السوداني وهو كاتب صحفي معروف و متخصص في الجوانب الاقتصادية وبعد إندلاع الحرب ظل متنقلا ما بين مدينة عطبرة وبورتسودان ولديه (حب عميق) لساحل البحر الأحمر ويقضي غالبية وقته متأملا في هذا الساحل الساحر.
لم تكتمل فرحتي بهذه الزيارة عندما سمعت بنبأ وفاة (أم أنيس) زوجة عميد السلك الدبلوماسي بدولة إريتريا والسفير اليمني (أبو انيس) وبالفور توجهت إلى منزله لأداء واجب العزاء فكان الحزن عميقا في نفس أبو أنيس ولم يتمالك حبس (الدموع) طيلة جلوسي معه وهو يحكي عن محاسنها ومناقبها ويا لها من (إمرأه) أشهد لها بالكرم للسودانيين الفارين من ويلات الحرب فكان بيتها ومنزلها (ملاذا آمنا) لغالبية الأسر السودانية اطعاما واكراما و احسانا أسأل الله لها الرحمة والمغفره وأن يربط ويثبت فؤاد (ابو أنيس) لتحمل الصدمة (بالغة) الأثر.
عندما أتجاذب أطراف الحديث مع (أم أنيس) يتبادر إلى ذهني قصة ملكة سبأ اليمنية بلقيس وحوارها مع سيدنا سليمان عليه السلام وهي تتقنها وتتفنن في طريقة سردها بأسلوب بسيط ومفهوم للكل الفقد جلل والمصيبة كبيره ولكن هذه هي أقدار الله والموت سبيل الأولين والآخرين.
مدير شركة تاركو للطيران بدولة إرييتريا الشاب الراقي محمد دليل إبن مدينة بورتسودان (حي الجنائن) استطاع أن ينال رضى السودانيون والإريتريين في آن واحد وذلك من خلال تقديم خدمات إنسانية رائعة وكل ما أشاهد الشاب محمد دليل أتذكر الجلالة العسكرية الشهيرة للجيش السوداني والتي تحمل عنوان (ود الشريف رأيهو كمل جيبو لي شلاتي من دار قمر) ودار قبيلة (القمر بكسر القاف والميم وتسكين النون) قبيلة مشهوره في دارفور بقيادة السلطان هاشم سلطان دار القمر الرجل المهذب وأحد أعمدة الإدارة الأهلية في السودان و رقم يصعب تجاوزه.



