
المقدمة: في عالم مضطرب يتبدل فيه المشهد الإعلامي بوتيرة متسارعة، برزت قناة “المسار الرقمية” وصحيفتها الإلكترونية كمنصة إعلامية مسؤولة تعبّر عن نبض الشارع السوداني وتواكب تطلعات المواطن في الداخل والخارج. وخلف هذه التجربة يقف إعلامي صاحب رؤية ورسالة هو الأستاذ هشام أحمد المصطفى أبوهيام، الذي جمع بين الإدارة الواعية والمهنية الصادقة في مخاطبة الرأي العام. في هذا الحوار الشامل، نفتح معه الملفات المهمة، ونتعرف على كواليس العمل، وأحلام المستقبل، وتحديات الواقع، لنخرج بصورة بانورامية عن مشروع إعلامي سوداني طموح.
: الفكرة.. من الوعي بالحاجة إلى ولادة المشروع
: حدثنا عن البدايات.. كيف نشأت فكرة إنشاء قناة وصحيفة المسار؟

الفكرة لم تكن مجرد رغبة في إنشاء مؤسسة إعلامية، بل كانت نتيجة حتمية لفراغ حقيقي في المشهد الإعلامي السوداني. كنا نتابع المشهد ونلاحظ هيمنة الخطابات المستوردة والمصالح الضيقة، بينما صوت المواطن الحقيقي مغيب. من هنا جاءت الفكرة: إنشاء منصة تعبر عن قضايا الناس الحقيقية، وتعكس تنوع السودان، وتحترم عقل الجمهور. بدأنا كفريق صغير يؤمن بأن الإعلام لا يجب أن يكون تابعًا للسلطة أو المال، بل للضمير المهني والأخلاقي.
: وما الذي ميّز انطلاقة المسار عن غيرها من التجارب الرقمية؟
أول ما يميز المسار هو استقلاليتها التامة. لم نعتمد على تمويل خارجي مشروط، بل اعتمدنا على مجهودات ذاتية وإيمان عميق بالفكرة. ثانيًا، اعتمدنا على الكادر الوطني الذي يفهم تفاصيل المجتمع السوداني، وركّزنا على التدريب المستمر. ثالثًا، اخترنا أن نكون منصة لكل السودان، لا تمثل حزبًا أو جهة، بل المواطن العادي من دنقلا إلى نيالا، ومن بورتسودان إلى الجنينة.
التحديات.. ما بين الطموح والواقع
: ما أبرز التحديات التي واجهتموها خلال التأسيس والانطلاق؟
: التحديات كانت عديدة، أبرزها البنية التحتية الضعيفة في مجال الإعلام الرقمي، وارتفاع كلفة الأجهزة والمعدات، بالإضافة إلى عدم وجود بيئة تشريعية واضحة تنظّم عمل المنصات الرقمية. أيضًا واجهنا تحدي بناء جمهور في ظل منافسة محتوى ترفيهي مفرط ومنصات غير مهنية. لكننا كنا نؤمن أن الجودة والمصداقية كفيلتان ببناء جمهور واعٍ.
وماذا عن الكادر البشري؟ هل واجهتم صعوبات في استقطابه؟
: نعم، لأن العمل الإعلامي يتطلب التزامًا عاليًا، خاصة في ظل ظروف الحرب والتنقلات الأمنية. لكننا كنا محظوظين بوجود شباب مؤمنين بالفكرة، وبعضهم يعمل تطوعًا إيمانًا بالرسالة. كما أننا أقمنا شراكات مع مراكز تدريب لتطوير المهارات الإعلامية الرقمية.

: المحتوى الإعلامي.. فلسفة المسار ورؤية التحرير
: ما هي الفلسفة التحريرية التي تقوم عليها المسار؟
: تقوم على ثلاث ركائز: المهنية، الحياد، والانحياز للوطن. نحن لا نمارس رقابة على الحقيقة، بل نعرضها كما هي، ونتيح للرأي والرأي الآخر. لا نروج للإثارة الزائفة، ولا ننزلق إلى خطاب الكراهية. نؤمن أن الإعلام يجب أن يكون ضميرًا لا شاهد زور، وأن يطرح الأسئلة لا أن يردد بيانات السلطة.
وهل لديكم خطوط حمراء في النشر؟
: نعم، لكن خطوطنا الحمراء ليست سياسية، بل أخلاقية. لا نسمح بالمساس بالحرمات الشخصية، ولا ننشر ما يحرّض على العنف أو العنصرية. هدفنا بناء مجتمع واعٍ لا تحطيمه.
أبرز البرامج والمبادرات التي قدمتموها
ما هي أبرز البرامج التي تعتز بها قناة المسار؟
لدينا برنامج “ضيوف وقطوف” الذي أصبح منبرًا للحوار الوطني الصريح، نستضيف فيه شخصيات من مختلف الخلفيات. أيضًا برنامج “من قلب الحدث” الذي يغطّي القضايا الساخنة من الميدان مباشرة. وهناك “صوت المجتمع” الذي يفتح المايكروفون للمواطنين ليتحدثوا عن قضاياهم. في الصحيفة الإلكترونية، لدينا تحقيقات معمقة وتقارير تحليلية متميزة.
: وماذا عن المبادرات خارج الإطار الإعلامي؟
: لدينا مبادرات إنسانية واجتماعية مثل “سلة رمضان”، ودعم المتضررين من الحرب والسيول، وكلها تعتمد على التبرعات والمجهودات الذاتية. كما ننظم ورشًا لتدريب الإعلاميين الشباب في الأقاليم.
الحضور الرقمي والتفاعل مع الجمهور
كيف تقيّمون حضور المسار على وسائل التواصل؟
نحن من أوائل القنوات السودانية التي تبنّت نموذج البث المباشر والتفاعلي على فيسبوك ويوتيوب. جمهورنا نشط ومتنوع، ونتلقى يوميًا عشرات الرسائل والمقترحات. التفاعل مع الجمهور ليس ترفًا عندنا، بل جزء من فلسفة التحرير. نسعى لبناء إعلام يشاركه الناس، لا يفرض عليهم.
وما هي الفئة المستهدفة؟
نستهدف عموم الشعب السوداني، لكن نولي اهتمامًا خاصًا بالشباب، لأنهم صناع التغيير. كذلك لدينا جمهور واسع في المهجر، نسعى لربطهم بقضايا الوطن.
الإعلام السوداني في ظل الحرب
كيف أثرت الحرب على عملكم كمنصة إعلامية؟
: تأثرنا كثيرًا، كباقي المؤسسات. بعض كوادرنا نزحوا، وبعض المعدات دُمّرت أو نُهبت. لكننا لم نتوقف، بل ضاعفنا جهودنا. استخدمنا الإعلام كوسيلة للمصالحة، وكشف جرائم الحرب، ونقل صوت النازحين والضحايا. نرى أن الإعلام الوطني يجب أن يكون في الصفوف الأمامية وقت الأزمات.
هل تعرضتم للتهديد أو التضييق بسبب تغطيتكم؟
نعم، تعرضنا لمحاولات تشويش وتضييق، لكننا نؤمن أن قول الحقيقة ضريبة يجب أن تُدفع. التزامنا بالقيم المهنية جعلنا نحظى باحترام كل الأطراف.
شراكات وتوسّع مستقبلي
هل لديكم شراكات مع مؤسسات إعلامية محلية أو دولية؟
: نعم، أقمنا شراكات مع عدد من المؤسسات الصحفية المستقلة، ومع منظمات دولية تعمل في التدريب الإعلامي وحرية الصحافة. نؤمن بالتكامل لا التنافس، ونسعى لبناء إعلام وطني يتكامل لا يتصارع.
ما هي أبرز مشروعات التوسّع التي تخططون لها؟
: نعمل حاليًا على إطلاق إذاعة رقمية، وتطوير تطبيق للهاتف المحمول، بالإضافة إلى أرشفة المحتوى السوداني في مكتبة رقمية. كما نخطط لإطلاق قسم خاص باللغات المحلية لتوسيع قاعدة المتابعين.
هشام أبوهيام الإنسان والقائد
دعنا نخرج قليلاً من إطار العمل.. من هو هشام أبوهيام بعيدًا عن الأضواء؟

إنسان بسيط، سوداني يحب بلده. أؤمن بالعمل الجماعي، وأحب الاستماع أكثر من الكلام. أقرأ كثيرًا في الفلسفة والإعلام والسياسة. أحلم أن أرى السودان حرًا، مستقلاً، متماسكًا، وأن أترك بصمة صغيرة في مسيرته
: هل تشعر بالرضا عما أنجزته؟
إلى حد ما، نعم. لكنني أطمح للمزيد. ما أنجزناه هو البداية فقط، والنجاح الحقيقي هو عندما يرى المواطن السوداني نفسه في إعلامه.
الخاتمة: من خلال هذا الحوار، يتضح أن الأستاذ هشام أحمد المصطفى أبوهيام ليس مجرد مدير قناة وصحيفة، بل صاحب مشروع وطني يتجاوز حدود المهنة إلى رحاب الرسالة. “المسار” ليست مجرد وسيلة إعلامية، بل صوت لضمير الوطن، وساحة حرة للحوار، ومنصة للمواطنة الواعية. في زمن تداخلت فيه الأجندات وتشظّى فيه الخطاب، يظل الإعلام المهني النزيه هو قارب النجاة.. و”المسار” تمضي شامخة على المعنى والرسالة، وإبراز المحاور بشكل أكثر تماسكًا.



