الرأي والتحليل

هكذا تسقط الحكومات في العالم الثالث ‼️

✍️ الصفر البارد

 

في معظم دول العالم الثالث، وخاصة في عواصم العالم الثالث (وأستثني، وأقول: إلا من رحم ربي)، هناك دوما دائرة ضيقة تحيط بأصحاب المناصب الدستورية العليا ،، لا يدخلها إلا من حاز ثقتهم، ولا علاقة للكفاءة هنا. هؤلاء هم (العمبلوق الذين يبرطعون وينططون مثل حمل الخريف في دول العالم الثالث) ، بلا إنجاز غير لمصلحتهم الشخصية،، هم من يديرون المكاتب، ويصيغون الخطابات، ويرتبون المواعيد، ويحرسون الأبواب. وهم، في الغالبية الساحقة، من يوقّعون شهادة وفاة الحكومات التي يخدمونها بسبب جهلهم بحقيقة المهمة التي هم فيها وأهميتها القومية.

 

 

 

 

🛑 – منذ عام 1945 وحتى اليوم، لا تكاد تجد حكومة في العالم الثالث سقطت بسبب خارجي بحت، إلا وكان في داخلها شخصيات تلتصق بأصحاب المناصب القيادية.،، هؤلاء لا يُختارون للمنصب بموجب الكفاءة، بل بسبب المحسوبية، أو الجهوية، أو صلة القرابة، والأخيرة هي سيدة الموقف في الاختيار. ثم إنك تجد مدير المكتب لصاحب المنصب الدستوري في تلك الدول يأتي من نفس القرية أو نفس القبيلة، والمستشار من نفس العائلة أو صديق قديم منذ عهد المراهقة كانا معًا ،،، ، والحرس الشخصي من نفس العشيرة. وعندما تسأل عن إنجازات ذلك الشخص المتواجد في المنصب الدستوري، لن تجد له إنجازًا ولا تنمية قدمها للشعب، بل لا تجد شيئًا. وعندما تسأل عن الإنجاز، لا تجد إلا أكوامًا من الوعود المعلّقة، وزبالة قرارات لا قيمة لها غير أنها تزيد من حجم مخرجات (مزبلة التاريخ).

 

 

 

 

🛑 – يقول ابن خلدون، منذ ستة قرون، إن سوء اختيار الأعوان هو “محاولة انتحار صريحة للدولة”. فهؤلاء يضعون الغشاوة على أعين الحكام، فلا يعرف للعدل طريقًا، ولا للفساد حدًا. وحين تصل الدولة إلى مرحلة لا يمكنها التصدي للتحديات، يكون السقوط قد بدأ من الداخل، من تلك الغرفة الصغيرة الملاصقة لمكتب أصحاب المناصب الدستورية، فهي غرفة انطلاق انهيار الدول ونهايات الحكومات في بعض دول العالم الثالث.

 

 

 

 

🛑 – خذ السودان مثالًا. لم يسقط عمر البشير في أبريل 2019 بسبب احتجاجات الشارع وحدها. سقط لأن الدائرة الضيقة التي أحاطت به حولته إلى رجل معزول عن واقعه. وفي قلب تلك الدائرة كان طه عثمان الحسين، مدير مكتبه، الرجل الذي تحوّل “من موظف عادي في مكتب مسؤول مهم، إلى أقرب المقربين من الرئيس البشير وساعده الأيمن، وكاتم أسراره”. ترقّى بسرعة الصاروخ في سلالم السلطة والثروة، “بشكل يفوق مؤهلاته الأكاديمية وخبراته”، حتى نال رتبة فريق ومنصب وزير دولة، وتمتع “بصلاحيات رسمية وغير رسمية لا حدود لها ولا قيود عليها”.

 

 

 

 

 

🛑 – هذا الرجل لم يكن مستشارًا أمينًا، بل كان بوابة الفساد الكبرى. أقرّ البشير أمام المحكمة بتلقّي مبالغ كبيرة، ملايين الدولارات نقدًا، من ولي العهد السعودي عبر مدير مكتبه الأسبق طه الحسين. وعندما سقط النظام، لم يسقط طه معه، بل غادر إلى الخارج قبل السقوط الذي برمجه طه الحسين مع الإمارات ومع الأمريكان، ومع الصهيونية العالمية. وعندما تجد رجالًا حول صاحب المنصب الدستوري الرفيع قد ارتفعت ثرواتهم المالية والعقارية، اعلم بأن الدولة في آخر أيامها، وأن لحظة الانفجار قد اقتربت؛ ولذلك يهرب من هم حول القيادات قبل سقوط الدولة، أو أن يتم اتهامهم بالفساد أو استغلال النفوذ (ودومًا يهربون قبل ساعة الصفر للشعوب).

 

 

 

 

 

🛑 – السودان ليس استثناءً. كذلك هناك مثال في تشاد؛ فقد طالب الادعاء العام بسجن مدير مكتب الرئيس السابق عشر سنوات بتهم فساد واستغلال نفوذ، في قضية مالية تتجاوز 670 مليون دولار. في أوكرانيا، استقال مدير مكتب الرئيس بعد تحقيق في قضية فساد ضخمة. وفي تونس، كان نظام بن علي يدار من خلال دائرة عائلية ضيقة، حيث سيطرت عائلة الطرابلسي على الاقتصاد الوطني والثروة القومية، وامتد الفساد إلى المجالات السيادية والأمنية، بينما كانت الوظائف العامة تُمنح للموالين دون النظر إلى الكفاءة. النتيجة كانت ثورة 2011، التي فجّرها غياب التنمية في المناطق الداخلية وارتفاع البطالة، وهما وجهان لفساد المقربين.

والنمط يتكرر في أوغندا، حيث يرفع الرئيس يوري موسيفيني أقاربه إلى أعلى المناصب الحكومية والعسكرية والدبلوماسية. أخوه ساليم صالح كان من أوائل المستفيدين من مشاريع الدولة، وتحوّل إلى واحد من أغنى الرجال في البلاد. وفي جنوب السودان، وصل الفساد إلى درجة أن البلاد احتلت المرتبة 180 من 180 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، بسبب نظام محسوبية ورعاية أفسد كل شيء.

 

 

 

 

🛑 – في العالم الثالث (إلا من رحم ربي)، فإن المشكلة ليست في غباء وجهالة شخصية صاحب المنصب الدستوري وحده. المشكلة في هؤلاء الذين يحوّلون الوزارات والقصور الرئاسية في دول العالم الثالث إلى سوق للمقايضة مع دول أجنبية (بمعنى خيانة عديل)، وهم من يقطعون الطريق على الكفاءات الحقيقية، ويمنعون وصول المعلومات الصادقة إلى القائد. هم من يبنون إمبراطورياتهم الصغيرة من الرشاوى والعمولات، بينما يتراجع الاقتصاد وتتآكل الخدمات. وعندما ينفجر الغضب الشعبي، يكون القائد آخر من يعلم، لأن دائرة المقربين أخفت عنه كل شيء، حتى اللحظة التي لم يعد فيها قادرًا على الهرب.

 

 

 

 

🛑 – لذلك، فإن أي حديث عن إصلاح سياسي في العالم الثالث بلا مواجهة حقيقية لهذه الدائرة الضيقة هو حديث أجوف. لن تنتصر التنمية على الفساد إلا عندما يصبح اختيار مدير المكتب والمستشار والحرس الشخصي قائمًا على الكفاءة، لا على القرابة والجهوية وأسلوب الاختيار بتاع (دا زولي، وداك زولك). وبكل أسف، بعد فوات الأوان، عندها يدرك القائد أن من حوله ليسوا درعًا يحميه، بل قنبلة موقوتة تُدمّره وتذهب به إلى غياهب السجون أو الإعدام، كما فعل بصدام حسين في العراق.

 

 

 

 

 

🛑 اخر المداد

 

فإذا تم تمحيص كل الرجال حول المسؤولين، وتم كشف كل من ارتفعت ثروته المالية أو العقارية خلال وجوده في موقع قرب المسؤول، وقتها فقط قد تبدأ الحكومات في النجاة من السقوط. أما قبل ذلك، فسيبقى الفساد يلتصق، والحكومات تسقط، والشعوب تدفع الثمن. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

المسار نيوز

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى