
• كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، في تقرير مثير للجدل عن تفاصيل عملية وصفت بأنها غير مسبوقة في العلاقات الدولية تمثلت في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو داخل بلاده بمساعدة “جاسوس” يعمل لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية داخل الحكومة الفنزويلية. عملية لم تُنفَّذ في الخفاء، بل تابعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ــ بحسب تصريحاته عبر بث حي واصفًا إياها بأنها “أشبه ببرنامج تلفزيوني”.
• الرواية الأميركية تقول إن قوات العمليات الخاصة اقتحمت “حصنًا شديد التحصين” وأخرجت مادورو وزوجته بواسطة مروحيات عسكرية إلى سفينة أميركية، تمهيدًا لنقلهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بالإرهاب وتجارة المخدرات. والأخطر من العملية ذاتها، هو الاحتفاء العلني بها من أعلى هرم السلطة في واشنطن، في مشهد يُعيد تعريف مفهوم السيادة، ويطرح سؤالًا خطيرًا : هل أصبح القانون الدولي مجرد تفصيل مزعج في زمن القوة العارية؟
• وزارة الخارجية الروسية لم تُخفِ قلقها ووصفت ما جرى ـ إن صحّ ـ بأنه “انتهاك غير مقبول لسيادة دولة مستقلة”، مطالبة بتوضيح فوري .. لكن السؤال الأهم : هل تكفي بيانات الإدانة في عالم تُعاد فيه هندسة الجغرافيا السياسية بالقوة العسكرية؟
• ترامب لم يكتفِ بتبرير العملية، بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن صراحة نية بلاده “الانخراط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي”، في تصريح يعيد إلى الأذهان منطق “الفتح الحديث”: نُسقط النظام ثم ندير الموارد. منطق يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة : إذا كان النفط الفنزويلي بحسب رؤية ترامب من “حق الأميركيين” لأن شركاتهم شاركت في اكتشافه فماذا لو وطئت قدم جندي أميركي أرض السودان أو أي دولة أخرى غنية بالموارد؟ هل تصبح تلقائيًا ضمن الممتلكات الأميركية ..؟؟
• هل هو توقيت ذكي أم استغلال فج .. ؟ اللافت أن هذه الخطوة جاءت في توقيت بالغ الحساسية روسيا غارقة في الحرب الأوكرانية، أوروبا منهكة اقتصاديًا وسياسيًا، والصين منشغلة بملف تايوان. فهل اختار ترامب اللحظة التي يغيب فيها “الرقيب الدولي”؟ أم أنه يختبر إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تفرض إرادتها دون ردع ؟
• الأخطر أن هذا السلوك قد يشكّل سابقة دولية خطيرة. فما الذي يمنع الصين، غدًا، من دخول تايوان بحجة “حماية الأمن القومي” أو “محاربة التهديد”؟ وما الذي يمنع روسيا من توسيع تدخلها في أوروبا بالمنطق ذاته؟ إذا كان الأقوى يكتب القواعد ويكسرها في آن واحد، فما الذي يتبقى من النظام الدولي؟؟
• ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن تحوّل أعمق في العلاقات الدولية حيث يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة “البلطجي الأوحد” دولة واحدة تقرر و تنفذ، وتحاسب إن شاءت. لا محاكم دولية، ولا مجلس أمن، ولا شرعية أممية قادرة على الوقوف في وجه من يملك القوة والسلاح والإعلام.
• إن السكوت الدولي عن هذه السابقة لا يعني سوى شيء واحد فتح الباب أمام فوضى عالمية حيث يصبح التدخل العسكري أمرًا مشروعًا متى ما رُفع شعار “مكافحة الإرهاب” أو “حماية المصالح” فاستفيقوا أيها العالم .. ما جرى في فنزويلا ليس حدثًا محليًا، بل إنذار عالمي. اليوم فنزويلا وغدًا قد تكون أي دولة أخرى. إن القبول بالأمر الواقع، أو تبريره بالصمت، يعني أننا نؤسس لعالم بلا قواعد، بلا سيادة، وبلا عدالة فاستفيقوا أيها العالم … فحين يصبح الاعتقال العابر للحدود سياسة رسميةيكون الدور قد اقترب من الجميع.



