
في خضم ازمة الوقود الحالية وانا هذه الايام في العاصمة الخرطوم اقف شاخص النظر في تكدس الصفوف في المحطات صباح ومساء حملت وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف هذا اليوم خبر مفاده تشكيل مجلس اعلي للنفط برئاسة رئيس مجلس السيادة و عضوية رئيس الوزراء ووزير النفط و بنك السودان المركزي .
هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية كبيرة ابرزها أن أزمة الوقود لم تعد أزمة وزارة أو بنك بل تحولت إلى أزمة أمن قومي تهدد الإنتاج والخدمات .
لكن السؤال :*كيف وصلنا إلى هنا؟*
خلال هذا العام اتخذت العديد من الاجراءات لمحاولة احتواء الأزمة عبر ثلاثة مسارات متتالية كالآتي :
أولاً : الضمان العيني :
اشترطت على شركات الاستيراد إيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان لدى مصفاة السودان للذهب الهدف من ذلك ضبط السوق ومنع الشركات الوهمية لكنه عملياً أقصى نحو 24 شركة وطنية لا تملك هذه القدرة وحصر السوق في عدد محدود جداً من الشركات ما خلق نوع من الاحتكار .
ثانياً : ازدواجية سعر الصرف :
اكدت بعض المصادر الاعلامية ان بنك السودان خصص دولار مخفض للشركات لاستيراد الوقود هذه الفجوة في اسعار الدولار خلقت أرباحاً طائلة وغير تنافسية قدرتها الشركات المتضررة بنحو 7 ملايين دولار للشحنة الواحدة (المرجع مذكرة شركات النفط) .
ثالثاً: اللجان :
تم تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد وخلية أزمة برئاسة وزير المالية لكن حتي كتابة هذه السطور لم توفق في كبح جماح الدولار والذي قارب علي الــ9.000 ج .
المذكرة التي رفعتها 24 شركة وطنية لرئيس مجلس السيادة طالبت بمراجعة عاجلة للضوابط وإنهاء حصر الاستيراد والسماح للشركات بتمويل وارداتها من مواردها الذاتية لتخفيف الضغط على بنك السودان، واستبدال ضمان الذهب بآليات مرنة . وأكدت علي أن استمرار الاحتكار سيرفع تكلفة التشغيل في الزراعة والتعدين والصناعة والنقل مما يضعف الصادرات وقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي .
وفي تقديري المتواضع يمكن ان يكون الحل في الآتي :
1. تحرير منضبط للاستيراد بمعايير شفافة وفاتورة إلكترونية .
2. توحيد سعر صرف دولار الوقود ليقترب من السعر الحقيقي .
3. فصل تمويل الوقود عن موارد بنك السودان عبر السماح بالتمويل الذاتي واستبدال ضمان الذهب بالضمانات البنكية و التأمينية كما معمول به في معظم دول العالم .
وخلاصة الأمر، إن تشكيل المجلس الأعلى للنفط لا يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة فرضتها الأرقام : 1.38 مليون طن مستوردة، و40 مليون دولار تخرج شهرياً، و25.9% من وارداتنا تذهب للمحروقات فقط. ما لم يعالج المجلس جذور الأزمة فسيكون التغير في مكان الاجتماع فقط هذا وان صح الخبر .



