
لن يزايد أحدٌ على انني أحدُ ” مظاليم المؤتمر الوطني”، أقالني الرئيس الأسبق عمر البشير لمجرد انني هاجمتُ فى ذلك الوقت “الوزير المدلّل” مأمون حميدة .. وكنتُ أول رئيس تحريرٍ يفصله رئيسُ جمهورية..
هكذا وببساطة أبلغني أضعف نائب رئيس مر على المؤتمر المهندس إبراهيم محمود ” غفر الله له” بقرار الإقالة.. لم أرد عليه بكلمة وهو يصدمني بمنتهي ” الجبروت و”الحقارة” أنه ومن اتخذوا القرار لم يفعلوا سوى أنهم “طبقوا فيني إرادة الله” حينها “مليتا بركة وقلت الخير في ما اختاره الله وغادرت الصحيفة التي عملت بها ( 23) عاماً..
تلك أيامٌ خلْت لهم فيها ما كسبوا ولنا فيها ما كسبنا، إذ لم يمضْ أكثر من عامٍ حتى كانت الانقاذُ ببشيرها وابراهيمها ومأمونها “في خبرِ كان” إذ نزَع اللهُ منهم الملكَ الذى يؤتِه كذلك من يشاء وأصبحوا سواسيةً معنا في الوطنِ والمواطنةِ …
المهم إن البشيرَ وقيادات الإنقاذ فوجئوا حينها بمقالات كتبتُها قبل السقوطِ كنت انتقدُ فيها حملة ” تسقط بس” الشعار العدمي الذي أورثنا ما نحنُ عليه الآن.. ولعلَه قد أبلغني رسالةً وطلب أن التقيه مثلما وصلني من الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين، لكن ظروفَ وجودي خارجَ البلادِ آنذاك حالت دون ذلك..
قلت للفريق عبدالرحيم إن موقفى الأخلاقي تجاه أمنِ واستقرارِ السودان يحتّمُ علىّ الوقوف ضد مخطّطاتِ الفوضى التى تستهدف البلد… وأبلغته بوضوحٍ إن التحدّياتَ الماثلةَ تستوجب علينا جميعاً التخلّص من قيد المواجدِ الشخصيةِ والنأي عن تصفيةِ الحسابات الذاتيةِ، وانني لا أحتاجُ لشكرٍ من أحدٍ أنا فقط أفرّقُ بين ” الوطني والوطن)..
سُقتُ هذه المقدّمة للحديثِ عن إفاداتٍ مهمةٍ ومطلوبةٍ دفع بها رئيس المؤتمرِ الوطنيِ أحمد هارون في حواره الذي ” كسّر الدنيا وشغَل الناسَ”..
مع الأخ الزميل الإعلامي ربعي سراج..
هارون قدّم درساً وطنياً مهماً في تقديري وهو يتجاوز إثارةَ ما يُفرّق ويحرصُ على ما يجمع في حديثِه عن الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلسَ السيادةِ رغم أنه جاء بالتغييرِ الذي أطاحَ بحكومةِ هارون ونظامَه ومشروعَه السياسي وحلّ حزبَه ، لم يكتف بذلك بل سجَن هارون واخوته وبينهم رأسُ النظامِ الرئيس عمر البشير لأكثرِ من أربعةِ أعوامٍ ..
هكذا تجاسرَ هارون على مواجِده الشخصيةِ وتحفّظات الإسلاميين ازاء كل ماحدث وفي ذلك استشعارٌ بعظمِ المسؤوليةِ الوطنيةِ وإلمامٍ وتقديرٍ للتحديات التي تواجه بقاءَ الدولةِ..
ومن إفادات هارون التي حملها حواره مع ربعي القول أنه يقفُ مع الجيشِ وقيادتَه وإن الفريقَ البرهان هو قائدُ البلادِ وأنهم كحزبٍ سياسيٍ يتعاملون معه على هذا الأساس … وتابع ” علاقتنا هي الإصطفاف في معركةِ الكرامةِ فهي الملعبُ الذي
يجمعنا الآن بالبرهانِ” ..
هارون مضى أبعد من ذلك وهو يؤكدُ ” ليس لنا موجدة ضد الفريق البرهان فهو لم يكن ضمنَ اللجنةِ الأمنية التي أطاحت بالإنقاذ”.
فى تقديري إن هذه اللغة المتسامحة والمتصالحة هي ما تحتاجه البلاد الآن، ولا أظن أن هارون طرَحها من باب تكتيكات التقرّبِ من السلطةِ حتى يعود للحكمِ مرةً أخرى ..
الموقفُ الذى عبّر عنه هارون هو ما ينقص القوى السياسية المعارضة التي تكيدُ للبرهانِ والجيشِ الآن.. رغم ماجمع بينهم من شراكةٍ بعد سقوط الانقاذ ، لم يُدخلهم البرهان السجونَ ولم يُصادر نشاطَهم السياسي مثلما فعل مع هارون واخوته الاسلاميينَ وعلى الرغم من ذلك ظلوا يناصبونه العداء المدمّر بلا وازعٍ من ضميرٍ أو وطنيةٍ حتى تحالفوا مع بندقيةِ الدعم السريع و”حدثَ ما حدث”..
أعتقد أن الفارقَ كبيرٌ في خطابِ هارون والقوى السياسية المعارضة في قحت وصمود، قمةُالوعي أن ينهضَ الآنَ خطابٌ للمصالحةِ الوطنيةِ يتجاوزُ الإحنَ والغبائنَ والأجندةَ الذاتيةَ والحزبيةَ وأن يتوافق الجميعُ على مفاهيمَ تحفظُ بقاءَ الدولةٍ وحدود الخريطةِ وتحافظُ على أمنِها القومي..



