
في السودان، الحرب لم تكن مجرد خبر يتابع من شاشة هاتف، ولا مهرجانا ترفع فيه الشعارات الوطنية أمام الكاميرات.
هناك شباب عاشوا الحرب من لحظتها الأولى، لم ينتظروا دعوة إلى منصة، ولم يبحثوا عن الأضواء، ولم يحتاجوا إلى مهرجان ليعلنوا انتماءهم للوطن
لبسوا الكاكي… وحملوا السلاح… ودخلوا الميدان
منذ الطلقة الأولى، اختار هؤلاء الشباب أن يكونوا حيث الخطر، حيث المواجهة، وحيث لا توجد كاميرات ولا منصات ولا تصفيق
منهم من عاد إلى أهله شهيدا، ومنهم من عاد مصابا، ومنهم من لا يزال مفقودا، ومنهم من يحمل في جسده آثار المعارك، ومنهم من ترك أسرته خلفه لأشهر وسنوات وهو في الخنادق.
وفي المقابل، تظهر اليوم مبادرات شبابية وفعاليات غير معلومة تستعيد لغة الشعارات، وتتصدر المشهد، وتلتقي بقيادات الدولة، وتحصل على مساحة واسعة من الضوء الإعلامي.
وهنا نتحدث عن فعالية مبادرة «مانسيناكم» التي أقيمت باستاد الخرطوم، عبر مجموعة من رواد الميديا، الذين عرفهم الشارع السوداني من خلال صفحاتهم ومحتوياتهم من عدد من الدول العربية والأجنبية التي هربوا إليها عندما أطلقت الرصاصة الأولى ، وشهدت مخاطبة من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، الذي أشاد بالشباب والمبادرات، كما حيا في حديثه الشباب الموجودين في الصفوف الأمامية وآخرين يعملون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا أنا ليس ضد المبادرات الشبابية، ولا ضد من عاد إلى السودان، ولا ضد أي جهد وطني.
ولكن السؤال الحقيقي هو :
أين شباب الميدان؟
أين الذين كانوا في الخنادق عندما كان بعض الناس يبحثون عن طريق للخروج؟
أين أسماء الذين فقدوا أرواحهم؟
أين المصابون؟
أين المفقودون؟
أين الذين ما زالوا يقفون على خطوط النار بعيداً عن المنصات والأضواء؟ ….
هل يستوي من عاش الخطر لحظة بلحظة وضحى بكل شئ من أجل الوطن مع من جاء بعد أن هدأت بعض الجبهات ليجد أمامه المنابر والكاميرات؟…
وهل يجوز أن يتحول الوطن إلى مهرجان شعارات واكاذيب بينما الذين دفعوا ثمن الدفاع عنه بالدم لا يجدون حتى مساحة تليق بتضحياتهم؟
الوطن لا يقاس بعدد الصور مع المسؤولين، ولا بعدد الهتافات، ولا بحجم التفاعل على مواقع التواصل.
الوطن يقاس أيضاً بما قدمه الإنسان عندما كان الثمن غالياً.
ولذلك، إذا كانت هناك مبادرات شبابية تحمل اسم الوطن، فإن تكريمها الحقيقي لا ينبغي أن يكون على حساب من حملوا السلاح دفاعاً عنه.
بل المطلوب أن تتسع المنصة للجميع:
للجندي الذي قاتل،
وللشاب الذي تطوع،
وللشهيد الذي رحل،
وللجريح الذي يحمل آثار المعركة،
ولأسرة المفقود،
وللشباب الذين ظلوا داخل السودان،
ولكل من قدم شيئاً لهذا الوطن في زمن الحرب.
أنا لست ضد «مانسيناكم»…
لكن اريد أن يكون السؤال أكبر من اسم المبادرة:
” من الذي لم ينس السودان عندما كان السودان في أشد حاجته إلى أبنائه؟ “…
فالتاريخ لا تكتبه المنصات وحدها…
التاريخ تكتبه أيضاً الخنادق، والدماء، والغياب، والتضحيات التي لم تكن لها كاميرات



