
في تاريخ الأمم والشعوب هناك جنود يقاتلون بالسلاح في الخنادق، وهناك جنود يقاتلون بالاقتصاد في الأسواق والحقول، وكلاهما يكمل الآخر، فلا انتصار عسكري دون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوي دون انتصار عسكري يحميه.
والسودان اليوم يخوض معركة وجودية فاصلة فرضتها عليه مليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة، معركة الكرامة التي لا تقبل إلا النصر. وفي هذه المعركة برزت ولاية سنار كولاية محورية ومفصلية، ليس فقط لأنها تصدت للتمرد وقدمت الشهداء ودافعت عن أرضها، بل لأنها سلة غذاء السودان الحقيقية، وقلب السودان النابض بالإنتاج.
وإذا كانت سنار هي سلة الغذاء، فإن أسواق محاصيلها هي الشريان الأورطي الذي يضخ الحياة في جسد الاقتصاد السوداني كله. ومن هنا تبرز عظمة الدور الذي يقوم به الرجل الذي يقف على رأس هذه المؤسسة الاقتصادية العملاقة، الأستاذ صديق مكين، مدير الإدارة العامة لأسواق محاصيل ولاية سنار.
إن الحديث عن الأستاذ صديق مكين ليس حديثًا عن موظف يؤدي واجبه، بل هو حديث عن قائد اقتصادي وطني من طراز فريد، رجل جمع بين الخبرة الإدارية العميقة والمعرفة الدقيقة بأسواق المحاصيل وحب المزارع وإخلاص الجندي للوطن.
رجل أتى في مرحلة دقيقة وحساسة، مرحلة حرب ونزوح وشح في السيولة وقطع للطرق وارتفاع للتكاليف، ومع ذلك استطاع أن يحافظ على أسواق محاصيل سنار قوية ومتماسكة ومنتجة وداعمة للدولة، بل وزاد من إيراداتها بشكل غير مسبوق. وهذا وحده يكفي ليجعله نموذجًا للمسؤول الناجح في زمن الحرب.
*سنار.. سلة غذاء السودان وعمود الاقتصاد*
ولكي نفهم حجم الإنجاز لا بد أن نفهم مكانة ولاية سنار. فهي ولاية زراعية من الطراز الأول، فيها مشروع السوكي الزراعي ومشروع الجزيرة امتداد المناقل الشرقي ومئات الآلاف من الأفدنة المطرية في الدندر وشرق سنار والدالي والمزموم.
تنتج الولاية الذرة التي يأكل منها كل السودان، وتنتج السمسم الذي يصدر لكل العالم، وتنتج الفول السوداني وزهرة الشمس والصمغ العربي والكركديه والدخن. وكل هذا الإنتاج لا بد أن يمر عبر أسواق المحاصيل الرسمية.
أسواق محاصيل سنار، وسوق محاصيل سنجة، وسوق محاصيل السوكي، وسوق محاصيل الدندر، وسوق محاصيل المزموم، هي ليست مجرد أسواق، بل هي بورصات اقتصادية مصغرة يتحدد فيها سعر المحصول في السودان كله، ويتحدد فيها دخل المزارع، وتتحدد فيها إيرادات الولاية والمركز.
عندما حاولت المليشيا المتمردة قطع الطرق وإيقاف عجلة الاقتصاد، كانت أسواق محاصيل سنار هي التحدي الأكبر أمامها، لأن توقفها يعني تجويع الشعب السوداني. لكن بفضل الإدارة الحكيمة للأستاذ صديق مكين، فشل هذا المخطط.
*الدور المتعاظم في الحفاظ على مكتسبات المزارع*
يعد الأستاذ صديق مكين الحارس الأمين لمكتسبات المزارع في ولاية سنار. فهو يؤمن إيمانًا قاطعًا بأن المزارع هو أساس العملية الإنتاجية، وهو الجندي المجهول الذي يزرع ويحصد في عز الحر وتحت المطر، وإذا ضاع حقه ضاع الإنتاج وضاع الاقتصاد كله.
عمل الأستاذ صديق بكل قوة على حماية حقوق المزارعين من الضياع والاستغلال. أول خطوة قام بها هي محاربة ظاهرة الكسورات الوهمية والموازين المضروبة والغش في الوزن التي كان يشتكي منها المزارعون لسنوات طويلة. ألزم جميع أسواق الولاية باستخدام الموازين الإلكترونية المعايرة والدقيقة، ووضعها تحت إشراف مباشر من إدارة المواصفات وضباط السوق، وأي تاجر يثبت تلاعبه في الميزان يطرد فورًا من السوق.
كما حارب بكل حزم ظاهرة السماسرة والوسطاء الذين كانوا يبخسون أسعار المحاصيل. أوقف هذه الفوضى وجعل المزاد علنيًا وشفافًا أمام الجميع، المزارع والتاجر والموظف كلهم حضور، وأعلن أسعار التركيز يوميًا في لوحات كبيرة داخل السوق وعبر الإذاعات المحلية ومجموعات المزارعين، حتى أصبح المزارع القادم من أبعد قرية في الدالي والمزموم يعرف سلفًا سعر محصوله الحقيقي في سنار والقضارف وبورتسودان.
ومن أهم إنجازاته في الحفاظ على مكتسبات المزارع خفض التكاليف والجبايات. كانت هناك رسوم متعددة وغير قانونية تفرض على المزارع في الطرق وداخل الأسواق، تستنزف ربحه. تصدى الأستاذ صديق لهذه الظاهرة بقوة، ووحد إيصال التحصيل ليكون إيصالًا واحدًا رسميًا من أسواق المحاصيل فقط، ومنع أي تحصيل خارج النظام، وقلل الرسوم إلى الحد الأدنى القانوني، مما زاد من صافي ربح المزارع.
كما وقف بقوة مع المزارع في قضية التمويل. فالمزارع يحتاج إلى التمويل قبل الموسم وليس بعده. نسق مع البنك الزراعي السوداني والمحفظة التمويلية للبنك المركزي لضمان أن يجد مزارعو سنار التمويل في الوقت المناسب وبفوائد ميسرة، ودافع عن حق المزارع في السعر المجزي الذي يغطي تكلفته ويحقق له ربحًا يشجعه على الاستمرار في الزراعة.
وسعى للحفاظ على جودة المحصول السوداني وسمعته. منع خلط المحاصيل الجيدة بالرديئة، ومنع تخزين المحاصيل بطرق بدائية تؤدي إلى تلفها، ووجه المزارعين إلى طرق التخزين السليمة والتعبئة الجيدة حتى يحافظ محصول سنار على سمعته العالمية الممتازة خاصة في السمسم والصمغ العربي.
بفضل هذا الدور المتعاظم عادت الثقة الكاملة بين المزارع وسوق المحاصيل. وأصبح المزارع في سنار يفضل توريد محصوله لأسواق محاصيل سنار الرسمية لأنه يضمن حقه كاملًا غير منقوص.
*الدور المتعاظم في تهيئة البيئة والبنية التحتية للأسواق*
لم يكن سوق المحاصيل في السابق أكثر من مساحة ترابية مفتوحة تعج بالفوضى والغبار في الصيف والوحل في الخريف. لكن في عهد الأستاذ صديق مكين تحولت أسواق محاصيل سنار إلى مؤسسات حضارية مهيأة ببيئة عمل ممتازة تضاهي أفضل الأسواق في السودان.
قام بتهيئة البيئة الداخلية للأسواق بشكل كامل ومتكامل. نفذ عمليات ردميات وتسوية واسعة للأرضيات حتى لا تتعطل حركة اللواري والشاحنات في فصل الخريف، وأنشأ مظلات كبيرة وحديثة من الحديد والزنك لحماية المحاصيل من الشمس الحارقة ومن الأمطار الغزيرة، ووفر أماكن مخصصة ومرتبة للتخزين المؤقت مرتبة حسب النوع.
كما قام بصيانة أسوار الأسواق وبوابات الدخول والخروج، ونظم حركة المرور داخل السوق بدخول وخروج منفصل، ومنع تكدس العربات، ووفر إنارة ليلية حتى يمكن العمل حتى ساعات متأخرة.
واهتم بصحة البيئة داخل السوق اهتمامًا كبيرًا. نظم عملية النظافة اليومية ورفع المخلفات، ووفر عمال نظافة دائمين، ووفر مصادر للمياه الصالحة للشرب، وأنشأ دورات مياه نظيفة ومحترمة، ونظم أماكن بيع الطعام والخدمات للتجار والعمال والمزارعين بشكل صحي وحضاري.
كما اهتم بتهيئة البيئة الخارجية والطرق المؤدية للأسواق. فالسوق دون طريق لا قيمة له. نسق مع وزارة البنى التحتية ومع الهيئة القومية للطرق والجسور لصيانة وترميم الطرق المؤدية لأسواق محاصيل سنار وسنجة والسوكي والدندر، حتى تسهل حركة الشاحنات حتى في ذروة موسم الأمطار.
والأهم من ذلك أنه هيأ البيئة القانونية والإدارية. وضع لوائح واضحة ومكتوبة تنظم عمل السوق، وحدد حقوق وواجبات التاجر والمزارع والسمسار والعتال والوزان، وحدد ساعات العمل، وحدد عقوبات المخالفين، ومنع الفوضى والمحسوبية التي كانت سائدة.
وأدخل نظام الحوسبة والرقمنة. فبدلًا من الدفاتر الورقية القديمة، أدخل الحواسيب ونظام التحصيل الإلكتروني وربط أسواق الولاية بشبكة واحدة، مما سهل عمليات المراقبة ومنع التزوير والتلاعب.
*الاهتمام المتعاظم بالقوى العاملة*
إن أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان، وهذا ما آمن به الأستاذ صديق مكين قولًا وفعلًا. فالقوى العاملة في أسواق المحاصيل من موظفين وضباط أسواق ومحصلين وعمال وعتالين ووزانين ومدخلي بيانات وأفراد تأمين هم العمود الفقري لنجاح السوق.
اهتم بالقوى العاملة اهتمامًا غير مسبوق. ساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات، لا فرق بين موظف كبير وعامل صغير، وصرف المرتبات والحوافز والمكافآت في مواعيدها المحددة رغم ظروف الحرب وشح السيولة.
وفر بيئة عمل آمنة وكريمة للعتالة والعمال الذين كانوا يعملون في ظروف قاسية. وفر لهم معدات السلامة، ونظم عملهم في ورديات حتى لا يرهقوا، وأنشأ لهم مظلات استراحة، ودافع عن حقوقهم في الأجر المجزي وأمن لهم التأمين الصحي والعلاج المجاني لهم ولأسرهم.
كما اهتم بالتدريب والتأهيل ورفع القدرات. عقد دورات تدريبية متخصصة للموظفين في مجال التحصيل الإلكتروني وضبط الجودة ومعايرة الموازين ومكافحة الغش التجاري، حتى أصبحت كوادر أسواق محاصيل سنار من أكثر الكوادر تأهيلًا وخبرة في السودان.
وكان قريبًا منهم إنسانيًا. يجلس معهم على الأرض، يأكل معهم، يستمع لمشاكلهم الأسرية والاجتماعية ويحلها، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يزور مريضهم ويواسي حزينهم. لذلك أحبوه حبًا جمًا واعتبروه أخًا كبيرًا وقائدًا ملهمًا.
*داعم قوي لمعركة الكرامة واقتصاد الحرب*
فوق كل ذلك، لم يكن الأستاذ صديق مكين بمعزل عن معركة الكرامة الوطنية ضد مليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة، بل كان حاضرًا في قلب المعركة.
يدرك أن الاقتصاد هو وقود المعركة، وأن دعم خزينة الدولة يعني دعم القوات المسلحة. لذلك عمل بكل جهد على زيادة إيرادات أسواق المحاصيل بشكل كبير ومضاعف، وضبط التحصيل ومنع التسريب، وأحكم الرقابة على الإيرادات، وورد المليارات لخزينة الولاية والخزينة المركزية.
سير بنفسه القوافل لدعم القوات المسلحة المرابطة في الخطوط الأمامية في سنار وسنجة وجبل موية والدندر، وسير قوافل الدعم للمستنفرين في معسكرات التدريب، وشارك في كل حملات الإسناد.
إنه رجل يقاتل في ميدان الاقتصاد بذات الروح والحماس والوطنية التي يقاتل بها الجندي في ميدان القتال. واعتبر أن كل قنطار محصول يدخل أسواق سنار هو رصاصة في صدر العدو، وكل جنيه يورد للخزينة هو دعم لجندي مرابط في الثغور.
*علاقات ممتازة وحب من الجميع*
ما يميز الأستاذ صديق مكين هو علاقاته الواسعة والممتازة مع كل مكونات المجتمع. محبوب من المزارعين لأنه ينصفهم، ومحبوب من التجار لأنه ينظم عملهم ويوفر لهم الأمن، ومحبوب من الإدارات الأهلية لأنه يحترمهم ويقدر دورهم، ومحبوب من الأجهزة الأمنية والتنفيذية لأنه متعاون ومنضبط.
بابه مفتوح لا يغلق، ومكتبه مفتوح للصغير قبل الكبير، وهاتفه متاح للجميع 24 ساعة، لا يرد أحدًا.
*شكر وتقدير ومناشدة بالتكريم*
في ختام هذا المقال، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ صديق مكين، مدير الإدارة العامة لأسواق محاصيل ولاية سنار، على دوره المتعاظم وجهده المقدر وعمله الدؤوب ليل نهار.
شكرًا له على حفظه لمكتسبات المزارع وحمايته لحقوقه، وشكرًا له على تهيئة البيئة الممتازة لأسواق المحاصيل وتحويلها إلى مؤسسات حضارية، وشكرًا له على اهتمامه الكبير بالقوى العاملة ورعايته الكريمة لها، وشكرًا له على دعمه اللامحدود لمعركة الكرامة.
إن ما قام به هذا الرجل يستحق أن يكرم على أعلى المستويات. ومن هنا ومن منبر قناة المسار الرقمية نناشد حكومة ولاية سنار بقيادة والي الولاية، ونناشد مجلس السيادة الانتقالي بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بتكريم الأستاذ صديق مكين التكريم الذي يليق بمقامه ودوره الوطني والاقتصادي المتعاظم.
تكريمه ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل هو تكريم لكل نموذج ناجح للإدارة الاقتصادية في زمن الحرب، ورسالة لكل المسؤولين بأن العمل الصادق والإخلاص للوطن وحماية حقوق المزارع والاهتمام بالعامل البسيط لا يضيع هباء.
سيظل التاريخ يذكر أنه في أحلك الظروف وأصعب المراحل كان هناك رجل في أسواق محاصيل سنار اسمه صديق مكين، كان أمينًا على حقوق المزارعين، ومهندسًا لبيئة الأسواق، وأبًا رحيمًا للقوى العاملة، وجنديًا مقاتلًا في معركة الكرامة.
حفظ الله سنار وحفظ أسواقها ومزارعيها وعمالها، وحفظ السودان منتصرًا عزيزًا موحدًا، وحفظ قواته المسلحة الباسلة.



