
نكتب اليوم شهادة حق لا مجاملة فيها ولا تملق، نكتب عن رجل اختار أن يكون في أحلك الظروف إلى جانب الضعفاء والمساكين والنازحين، رجل ترك مكتبه وخرج إلى العراء وإلى مراكز الإيواء يحمل على كتفه هموم الناس ويحمل في قلبه رحمة المؤمن الصادق، إنه الأستاذ محمد عبد الفتاح دونتاي مفوض العون الإنساني بولاية سنار، ابن سنار البار ورجلها المخلص الذي أثبت أن المنصب تكليف وليس تشريف وأن المسؤولية أمانة.
في زمن الحرب حين يهرب الكثيرون من المسؤولية ويبحثون عن الأمان لأنفسهم، كان دونتاي يبحث عن الجائع ليطعمه وعن العاري ليكسوه وعن المريض ليداويه وعن النازح ليأويه، وفي زمن كثر فيه المرجفون والمشككون جاءت جهوده المتعاظمة لتخرس ألسنتهم وتثبت أن في هذه الولاية رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأن الإنسانية لا تزال بخير ما دام أمثال دونتاي بيننا يعملون في صمت بعيداً عن الأضواء.
وكانت شهادة سلوة بالنية، تلك المرأة السنارية الأصيلة الناشطة المجتمعية المعروفة بصدقها وصراحتها، كانت شهادتها أمام الملأ وفي قلب مجتمع سنار هي القول الفصل الذي ألجم المرجفين وأثبت أن ما يقوم به مفوض العون الإنساني ليس عملاً مكتبياً بل هو عمل ميداني حقيقي يراه الناس ويلمسونه في معاشهم اليومي.
محمد عبد الفتاح دونتاي ليس موظفاً عادياً جاءت به الصدفة، بل هو ابن من أبناء سنار البررة يعرف كل قراها وحلالها وفرقانها ويعرف أهلها فرداً فرداً، رجل نشأ في بيئة سنارية أصيلة تعلمت معنى التكافل والتراحم والجيرة، فكان طبيعياً أن يكون أول من يهب لنجدة أهله حينما حلت بهم المحنة.
تولى المسؤولية في ظرف هو الأصعب في تاريخ الولاية، حيث نزح إلى سنار أعداد كبيرة من الولايات المجاورة هرباً من ويلات الحرب، وكانت سنار نفسها تعاني من ضغط كبير على مواردها المحدودة، وكانت المنظمات الإنسانية مترددة في الدخول بسبب الوضع الأمني، وكان المواطن السناري نفسه يعاني من شظف العيش، في هذا الظرف بالذات ظهر معدن دونتاي الحقيقي كرجل قيادي قادر على إدارة الأزمات وتحويل المحنة إلى منحة.
لم يجلس في مكتبه ينتظر التقارير، بل نزل إلى الشارع وإلى الأسواق وإلى المساجد وإلى مجالس الإدارة الأهلية يستنفر الهمم ويجمع التبرعات وينسق الجهود، كان يطرق باب التاجر في الصباح ويطرق باب المنظمة في المساء ويبيت في مراكز الإيواء يتفقد أحوال النازحين بنفسه، كان ينام قليلاً ويعمل كثيراً ويتألم لحال الناس ويفرح حين يرى الابتسامة تعود إلى وجه طفل جائع.
فيما يتعلق بالإيواء والغذاء، فحين تدفقت أعداد النازحين كان التحدي الأكبر هو أين يسكن هؤلاء وماذا يأكلون وكيف نحافظ على كرامتهم الإنسانية، فعمل دونتاي على فتح المدارس والمراكز الحكومية كمراكز إيواء مؤقتة، وقام بتجهيزها بالفرش والبطاطين وأدوات الطبخ والمياه، كما عمل على استقطاب كميات كبيرة من المواد الغذائية من المنظمات الدولية ومن أبناء سنار الخيرين في الداخل والخارج، وأشرف بنفسه على توزيعها بمنتهى العدالة والشفافية، فكان يصر أن يكون التوزيع أمام الملأ وأمام لجان الأحياء الحقيقية حتى لا يقال إن العون يذهب لغير مستحقيه.
وفيما يتعلق بالصحة والدواء والمياه، فالنزوح في فصل الخريف يعني انتشار الملاريا والإسهالات والأمراض الجلدية، وكان الوضع الصحي في مراكز الإيواء ينذر بكارثة صحية، هنا تحرك دونتاي بسرعة ونسق مع وزارة الصحة ومع منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف لتوفير الأدوية المنقذة للحياة وتوفير العيادات المتنقلة وتوفير عربات الإسعاف وتوفير الكوادر الطبية، كما عمل على توفير المياه النقية الصالحة للشرب عبر تنقية الآبار وتوفير الكلور وحفر آبار جديدة، وكانت جهوده سبباً مباشراً في منع انتشار الأوبئة في مراكز الإيواء بشهادة وزارة الصحة نفسها.
أما فيما يخص حماية المرأة والطفل وكبار السن، فهم الأكثر ضعفاً والأكثر عرضة للاستغلال، فأولى دونتاي عناية خاصة بهم، فأنشأ بالتنسيق مع منظمات حماية الطفل مساحات آمنة للأطفال يلعبون ويتعلمون فيها بعيداً عن صدمات الحرب، كما وفر للنساء الحوامل الرعاية الخاصة والغذاء الخاص والسلة الخاصة بالمرأة، ووفر لكبار السن الرعاية والاحترام، وهذه لفتة إنسانية كبيرة لا يقوم بها إلا رجل يعرف قيمة المرأة السنارية ودورها وقيمة الطفل ومستقبله.
وفي جانب التنسيق مع المنظمات وبناء الثقة، كان دونتاي هو الجسر الذي ربط بين حكومة الولاية وبين المنظمات الدولية والوطنية، وكان كثير من المنظمات متردداً في العمل في سنار بسبب ضعف البنية التحتية، فقدم دونتاي لهم كل التسهيلات وفتح لهم الأبواب وأزال أمامهم العقبات الروتينية وخصص لهم مكاتب داخل المفوضية، فكانت النتيجة دخول منظمات كبيرة إلى سنار لأول مرة وتقديمها لعون كبير ساهم في تخفيف المعاناة عن عشرات الآلاف من الأسر.
وفي جانب الشفافية ومحاربة الفساد، فالعون الإنساني في كل العالم تحوم حوله الشبهات، لكن دونتاي وضع نظاماً صارماً للرقابة، فجعل التوزيع عبر كشوفات معلنة وبصمة وصورة، وجعل المخازن تحت رقابة مشتركة من المفوضية ولجان المجتمع، وفتح باب الشكاوى لكل مواطن يرى أن حقه لم يصله، وهذا النظام الشفاف هو الذي أعاد ثقة المنظمات وثقة المواطن في المفوضية.
والآن نأتي إلى شهادة سلوة بالنية التي كانت حديث مجتمع سنار، سلوة بالنية ليست صحفية ولا موظفة في الحكومة، بل هي امرأة من قلب مجتمع سنار، امرأة بسيطة تعمل في السوق وتسكن في حي شعبي وتعرف كل بيت في سنار، وهي معروفة بأنها لا تجامل ولا تنافق ولا تقول إلا ما تراه بعينها، وحينما تتحدث سلوة فإن كل نساء سنار ورجالها يستمعون لها لأنها صادقة بالنية وصافية القلب.
وقفت سلوة في جمع كبير من نساء سنار ورجالها في أحد مراكز الإيواء وقالت كلمة حق سجلها كل من حضر، قالت والله إني رأيت محمد دونتاي يحمل جوال الذرة على ظهره ويدخله إلى مخزن النازحين بيديه، ورأيته يحمل طفلاً مريضاً إلى العيادة وهو يركض به في الطين، ورأيته يجلس مع النساء العجائز يواسيهن ويستمع لشكواهن، ورأيته يبكي حينما لم تكف المواد الغذائية لكل الناس، وقالت سلوة هذه الشهادة لله وليست لأحد، هذا الرجل يعمل بضمير وبنية صافية لوجه الله.
هذه الشهادة كانت بمثابة وسام شرف على صدر المفوضية، لأنها جاءت من الشارع ومن الميدان ومن قلب المعاناة، ولم تأت من مكتب مكيف ولا من تقرير ورقي مزخرف، وكانت هي التي أخرست ألسن المرجفين.
ففي كل مجتمع يوجد مرجفون لا يعجبهم شيء ولا يرون إلا السواد، في سنار كان هناك من يشكك في وصول العون ويقول إن العون يباع في السوق وإن المفوضية لا تعمل، وكان هؤلاء يبثون سمومهم في مجالس الشاي وفي وسائل التواصل، لكن حينما بدأت القوافل تدخل إلى سنار صباح مساء وحينما بدأت التكايا تعمل في كل حي وحينما بدأت المطابخ الجماعية تقدم الطعام الساخن وحينما بدأت الأدوية تتوفر وحينما رأى الناس المفوض بنفسه يشرف على التوزيع ويقف في الشمس مع المتطوعين، حينها صمت المرجفون وانكشف كذبهم أمام الملأ.
إن أقوى رد على المرجفين هو العمل على الأرض وليس الكلام في القاعات، وهذا ما فعله دونتاي، لم يرد ببيان صحفي ولا بمؤتمر صحفي، بل رد بعمل ميداني يراه كل الناس، رد بقافلة غذاء تدخل إلى قرية نائية وبخيمة تؤوي أسرة كانت تنام في العراء وبطفل يشفى بعد أن وجد الدواء.
وهنا نصل إلى الجزء الأهم الذي أضافته سلوة بالنية وهو حديثها عن الإعلام والإعلاميين، فقد ختمت حديثها أمام الملأ بإشادة خاصة قالت فيها إن مفوض العون الإنساني والمفوضية ظلوا يعملون بهمة عالية وشفافية كاملة أبان فترة الحرب حين كان الوضع الأمني صعباً والطرق مقطوعة والخوف يعم كل مكان، كانوا يوصلون العون تحت القصف وتحت المطر ولم يتوقفوا يوماً، والآن في فترة السلم والعودة الطوعية ظلت المفوضية تعمل بنفس الهمة ونفس الشفافية تواصل توزيع العون وتأهيل المراكز وتعمل على عودة النازحين إلى قراهم.
وأضافت سلوة أنها تحث الجميع على أهمية الإعلام وأهمية إكرام الإعلاميين وتقديرهم، لأنهم هم من عكسوا دور المفوضية وتدخلاتها أبان فترة الحرب بكل أمانة وصدق، وهم من يعكسون دورها الآن في فترة السلم، وقالت إن الإعلام هو المرآة الصادقة التي رأى من خلالها مجتمع سنار حجم الجهد المبذول في المخازن وفي المراكز وفي القوافل، ولولا الإعلام الشريف لما عرف الناس حقيقة ما يجري على الأرض ولما وصل صوت النازح إلى المسؤول.
وقالت إن تكريم الإعلاميين واجب وطني وأخلاقي، لأنهم سهروا الليالي ونقلوا معاناة النازحين بالصورة والقلم، وكانوا حلقة الوصل بين المفوضية والمجتمع وبين دونتاي والمواطن البسيط، فهم يستحقون الإكرام والتقدير والتحفيز جزاء ما قدموا من جهد في عكس الحقيقة ونقل الواقع كما هو بلا تزييف، وإن إكرام الإعلام هو إكرام للحقيقة نفسها.
إن هذه الإشادة المتكاملة من سلوة بالنية للمفوضية ولدونتاي وللإعلام معاً هي إشادة تاريخية أخرست ألسن المرجفين وأثبتت أن سنار بخير ما دام فيها رجال مخلصون مثل دونتاي ونساء صادقات مثل سلوة وإعلام أمين ينقل الحقيقة.
لذلك نحن في صحيفة المسار نيوز نرفع صوتنا ونناشد والي ولاية سنار بأن يمنح المفوض صلاحيات أوسع ودعماً لوجستياً أكبر ليكمل مسيرته الإنسانية، ونناشد المنظمات الدولية بأن تضع ثقتها الكاملة في مفوضية سنار فهي الآن بقيادة رجل أمين نظيف اليد صادق النية يشهد له المجتمع قبل التقارير، ونناشد أبناء سنار في الداخل والخارج بأن يقفوا مع مفوضهم ويدعموا جهوده بالمال وبالكلمة الطيبة وبالدعاء.
سيسجل التاريخ أن محمد عبد الفتاح دونتاي كان رجل الإنسانية الأول في سنار في زمن الحرب والسلم، وأنه كان باراً بأهله ونازحي ولايته، وأن شهادة سلوة بالنية الصادقة كانت دليلاً على أن العمل الصادق يصل إلى قلوب الناس مهما حاول المرجفون إخفاءه وأن الإعلام الصادق هو شريك أصيل في هذا النجاح.
ونحن نطالب بتكريمه وتقليده وسام الإنسانية والعطاء من الطبقة الأولى، ونطالب بأن يكون نموذجاً يحتذى به لكل مفوضي العون الإنساني في السودان، ونطالب أيضاً بتكريم الإعلاميين الذين وقفوا مع المفوضية في الحرب والسلم وكانوا عين الحقيقة التي لا تنام.
ألف تحية للمفوض محمد عبد الفتاح دونتاي، وتحية خاصة لسلوة بالنية التي قالت كلمة الحق في زمن كثر فيه الصمت، وتحية لكل متطوع ومتطوعة في مراكز الإيواء، وتحية لكل إعلامي حر نقل الحقيقة من سنار، وعاش مجتمع سنار متكاتفاً متراحماً متآزراً رمزاً للكرم والشهامة.
—



