
✦ دافعت عن الفكرة حتى دفعت ثمنها، ثم أجبرتني الممارسة على مراجعتها. كنت أؤمن بحق أبناء الشرق في إدارة ولاياتهم، باعتباره مطلباً سياسياً مشروعاً لا دعوة لإقصاء الآخرين.
✦ بسبب هذا الموقف تعرضت لاتهامات بالعنصرية والقبلية، وواجهت إساءات كثيرة، لكنني تمسكت بقناعتي لأنني كنت أرى أن عدالة المطالب لا تُقاس بضجيج معارضيها.
✦ غير أن وصول بعض ممثلي الشرق إلى مواقع المسؤولية كشف مشكلة مختلفة: الفجوة بين المطالبة بإدارة الإقليم والقدرة على إدارة مؤسساته بكفاءة.
✦ لم يكن الخلاف السياسي هو الأزمة؛ فالاختلاف طبيعي. الأزمة بدأت عندما لم تعد المؤسسات قادرة على احتواء الخلاف وتحويله إلى قرارات وسياسات تخدم المصلحة العامة.
✦ هنا يجب أن يكون النقد محدداً: ليس نقداً للشرق، ولا تعميماً على أبنائه، وإنما مساءلة لطريقة ممارسة السلطة داخل المؤسسات التي تولى بعض أبنائه مسؤوليتها.
✦ فالمؤسسة التي تتحول إلى ساحة صراع تفقد وظيفتها الأساسية. وحين يتعطل القرار بسبب الخلافات، تصبح السياسة نفسها عبئاً على الإدارة بدلاً من أن تكون أداة لحل مشكلات الناس.
✦ وفي هذه المعادلة، المواطن هو الحلقة الأضعف؛ فهو لا يملك سلطة الصراع ولا أدواته، لكنه يتحمل نتائجه في صورة خدمات متعثرة، وتنمية مؤجلة، وفرص تضيع.
✦ لذلك لم يعد السؤال بالنسبة لي: هل للشرق حق في إدارة شؤونه؟ بل: هل توجد الضمانات المؤسسية التي تجعل هذا الحق منتجاً لحكم رشيد، لا مجرد انتقال للمشكلة من مستوى إلى آخر؟
✦ الإجابة تبدأ من مؤسسات واضحة الصلاحيات، وقرارات قابلة للمساءلة، وشفافية في إدارة الموارد، وقواعد تمنع الخلاف السياسي من تعطيل العمل التنفيذي.
✦ لهذا راجعت موقفي السابق. لم أتراجع عن حق الشرق، وإنما تراجعت عن الثقة غير المشروطة في أي تجربة لا تضع المؤسسة فوق الأشخاص والمصلحة العامة فوق الحسابات السياسية.
✦ وتاريخ الشرق لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد؛ فاحترام تضحيات الأجيال السابقة واجب، لكن حماية مستقبل الإقليم تتطلب مساءلة الحاضر عن نتائجه.
✦ وفي المقابل، لا ينبغي أن تُستخدم أخطاء بعض المسؤولين لإسقاط حقوق الإقليم. فالخلل في الممارسة لا يعني بالضرورة خللاً في أصل المطلب.
✦ المطلوب الآن هو الانتقال من سياسة المطالب إلى سياسة الإنجاز؛ من الصراع على المواقع إلى التنافس على النتائج، ومن الخطاب السياسي إلى بناء مؤسسات يشعر المواطن بأثرها.
✦ وقد تحملت الإساءة عندما دافعت عن قناعتي، وأراجعها اليوم بالقدر نفسه من الصراحة. الموقف السياسي ليس سجناً؛ فإذا أثبتت التجربة قصوره، تصبح مراجعته مسؤولية لا تراجعاً.
✦ وفي النهاية، المواطن هو من يدفع فاتورة الصراع؛ ولذلك فإن معيار أي مشروع سياسي في الشرق يجب أن يكون بسيطاً وحاسماً: هل يحسن إدارة السلطة، ويحمي المؤسسة، ويضع مصلحة المواطن فوق الخلاف؟ إن لم يفعل، فقد أضاع القضية التي جاء ليدافع عنها.



