الرأي والتحليل

الشرق أضاع قضيته بأيدي أبنائه

كتب: محمد عثمان الرضي

 

✦ دافعت عن الفكرة حتى دفعت ثمنها، ثم أجبرتني الممارسة على مراجعتها. كنت أؤمن بحق أبناء الشرق في إدارة ولاياتهم، باعتباره مطلباً سياسياً مشروعاً لا دعوة لإقصاء الآخرين.

✦ بسبب هذا الموقف تعرضت لاتهامات بالعنصرية والقبلية، وواجهت إساءات كثيرة، لكنني تمسكت بقناعتي لأنني كنت أرى أن عدالة المطالب لا تُقاس بضجيج معارضيها.

✦ غير أن وصول بعض ممثلي الشرق إلى مواقع المسؤولية كشف مشكلة مختلفة: الفجوة بين المطالبة بإدارة الإقليم والقدرة على إدارة مؤسساته بكفاءة.

✦ لم يكن الخلاف السياسي هو الأزمة؛ فالاختلاف طبيعي. الأزمة بدأت عندما لم تعد المؤسسات قادرة على احتواء الخلاف وتحويله إلى قرارات وسياسات تخدم المصلحة العامة.

✦ هنا يجب أن يكون النقد محدداً: ليس نقداً للشرق، ولا تعميماً على أبنائه، وإنما مساءلة لطريقة ممارسة السلطة داخل المؤسسات التي تولى بعض أبنائه مسؤوليتها.

✦ فالمؤسسة التي تتحول إلى ساحة صراع تفقد وظيفتها الأساسية. وحين يتعطل القرار بسبب الخلافات، تصبح السياسة نفسها عبئاً على الإدارة بدلاً من أن تكون أداة لحل مشكلات الناس.

✦ وفي هذه المعادلة، المواطن هو الحلقة الأضعف؛ فهو لا يملك سلطة الصراع ولا أدواته، لكنه يتحمل نتائجه في صورة خدمات متعثرة، وتنمية مؤجلة، وفرص تضيع.

✦ لذلك لم يعد السؤال بالنسبة لي: هل للشرق حق في إدارة شؤونه؟ بل: هل توجد الضمانات المؤسسية التي تجعل هذا الحق منتجاً لحكم رشيد، لا مجرد انتقال للمشكلة من مستوى إلى آخر؟

✦ الإجابة تبدأ من مؤسسات واضحة الصلاحيات، وقرارات قابلة للمساءلة، وشفافية في إدارة الموارد، وقواعد تمنع الخلاف السياسي من تعطيل العمل التنفيذي.

✦ لهذا راجعت موقفي السابق. لم أتراجع عن حق الشرق، وإنما تراجعت عن الثقة غير المشروطة في أي تجربة لا تضع المؤسسة فوق الأشخاص والمصلحة العامة فوق الحسابات السياسية.

✦ وتاريخ الشرق لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد؛ فاحترام تضحيات الأجيال السابقة واجب، لكن حماية مستقبل الإقليم تتطلب مساءلة الحاضر عن نتائجه.

✦ وفي المقابل، لا ينبغي أن تُستخدم أخطاء بعض المسؤولين لإسقاط حقوق الإقليم. فالخلل في الممارسة لا يعني بالضرورة خللاً في أصل المطلب.

✦ المطلوب الآن هو الانتقال من سياسة المطالب إلى سياسة الإنجاز؛ من الصراع على المواقع إلى التنافس على النتائج، ومن الخطاب السياسي إلى بناء مؤسسات يشعر المواطن بأثرها.

✦ وقد تحملت الإساءة عندما دافعت عن قناعتي، وأراجعها اليوم بالقدر نفسه من الصراحة. الموقف السياسي ليس سجناً؛ فإذا أثبتت التجربة قصوره، تصبح مراجعته مسؤولية لا تراجعاً.

✦ وفي النهاية، المواطن هو من يدفع فاتورة الصراع؛ ولذلك فإن معيار أي مشروع سياسي في الشرق يجب أن يكون بسيطاً وحاسماً: هل يحسن إدارة السلطة، ويحمي المؤسسة، ويضع مصلحة المواطن فوق الخلاف؟ إن لم يفعل، فقد أضاع القضية التي جاء ليدافع عنها.

المسار نيوز

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى